يشهد الوضع الميداني تطورات متسارعة وخطيرة إثر تصاعد وتيرة اشتباكات بين إسرائيل وحزب الله، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن تسجيل 12 قتيلاً و74 جريحاً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية نتيجة الغارات الإسرائيلية المستمرة. هذا التصعيد الخطير يرفع الحصيلة الإجمالية للضحايا منذ بدء التوترات إلى 3123 قتيلاً و9506 جرحى، مما يعكس حجم المأساة الإنسانية التي تضرب البلاد وتزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
جذور الصراع وتاريخ اشتباكات بين إسرائيل وحزب الله
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية لهذا الصراع المعقد. لم تكن أي اشتباكات بين إسرائيل وحزب الله وليدة اللحظة، بل هي امتداد لصراع طويل تجلى بوضوح في حرب تموز عام 2006. ومع اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، فتح حزب الله ما أسماه “جبهة إسناد” في جنوب لبنان، مما أدى إلى تبادل يومي للقصف عبر الخط الأزرق الفاصل. ومع مرور الأشهر، تحولت هذه المناوشات إلى حرب مفتوحة شملت توغلات برية إسرائيلية وقصفاً جوياً مكثفاً طال عمق الأراضي اللبنانية، في محاولة إسرائيلية معلنة لإبعاد مقاتلي الحزب عن الحدود الشمالية وإعادة المستوطنين النازحين إلى منازلهم.
غارات مكثفة وإنذارات عاجلة لإخلاء القرى اللبنانية
واصلت إسرائيل تصعيدها العسكري في جنوب لبنان عبر سلسلة غارات جوية واستهدافات بالطائرات المسيّرة. وتزامن هذا القصف العنيف مع توجيه إنذارات عاجلة لسكان عدد من البلدات الجنوبية والبقاعية بإخلاء منازلهم. وقد أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً لسكان بلدات مشغرة، دير الزهراني، الشرقية، الدوير، قلايا، سحمر، زبدين، النبطية التحتا، عربصاليم وكفر جوز، داعياً الأهالي إلى إخلاء منازلهم فوراً والابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر نحو مناطق مفتوحة، معتبراً أن حزب الله «يخرق اتفاق وقف إطلاق النار»، وأن قواته ستتحرك ضده «بقوة».
استهداف البنية التحتية والمرافق الإنسانية
ميدانياً، نفذت مسيّرة إسرائيلية غارة استهدفت دراجة نارية في ساحة بلدة عربصاليم بقضاء النبطية، بعدما كانت غارة أخرى قد استهدفت صباحاً شاباً أمام تعاونيته في البلدة نفسها، ما أدى إلى مقتله. كما استهدف الطيران المسيّر منطقة الميسة الواقعة بين بلدتي زبدين وشوكين، بينما شنّ الطيران الحربي غارتين على بلدتي الغندورية وزوطر الشرقية. وفي بلدة الدوير، دمرت غارة مبنى سكنياً بالكامل، وعملت فرق الإسعاف على نقل جريحين. وفي قضاء صور، انتشلت فرق الدفاع المدني ثلاث جثث من منزل استهدفته غارات فجراً في بلدة صريفا، كما قُتل شخص وأصيب اثنان في غارة على البازورية، تلت غارات سابقة أودت بحياة عائلة فلسطينية كاملة في منطقة البقبوق.
وفي تطور خطير يمس العمل الإنساني، أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني في لبنان تعرض مركزها الإقليمي في النبطية لغارة إسرائيلية مباشرة فجر الأحد، ما أدى إلى انهيار المبنى بالكامل وتضرر الآليات. ولحسن الحظ، نُقل العناصر قبل الاستهداف، ما حال دون وقوع إصابات. وأكدت وزارة الصحة أن الغارات منذ بدء الحرب أدت إلى مقتل 123 مسعفاً وعاملاً في القطاع الصحي.
عمليات برية وتدمير أنفاق عسكرية
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات لواء 810 التابعة للفرقة 210 نفذت عملية في منطقة جبل روس «هار دوف»، تمكنت خلالها، بالتعاون مع وحدة «يهلوم»، من رصد وتدمير مسار تحت أرضي تابع لحزب الله يمتد لنحو 100 متر ويضم أربع غرف مكوث. وأكد الجيش أن قواته ستواصل العمل ضد ما وصفها بـ«التهديدات الموجهة إلى مواطني إسرائيل».
ردود ميدانية واستهداف تجمعات عسكرية
من جهته، أعلن حزب الله تنفيذ 5 عمليات قصف بالصواريخ وقذائف المدفعية استهدفت تجمعات وآليات إسرائيلية في محيط نهر دير سريان، إضافة إلى قصف تجمع لجنود في بلدة رشاف. كما رصد الجيش الإسرائيلي مسيّرة أطلقت من لبنان باتجاه الشمال، ما أدى إلى تفعيل صفارات الإنذار في شوميرا وإيفين مناحيم. وفي السياق نفسه، أُعلن عن إصابة جنديين إسرائيليين جراء انفجار مسيّرة مفخخة في جنوب لبنان.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد العسكري
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز الحدود الجغرافية للبنان وإسرائيل، لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي والدولي بأسره. محلياً، تسبب الصراع في أزمة نزوح غير مسبوقة، حيث ترك مئات الآلاف منازلهم بحثاً عن الأمان، مما يضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية اللبنانية المنهكة أصلاً. إقليمياً، تثير هذه المواجهات مخاوف جدية من انزلاق منطقة الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية شاملة قد تنخرط فيها قوى أخرى. أما على الصعيد الدولي، فقد كثفت العواصم الكبرى والأمم المتحدة جهودها الدبلوماسية لمحاولة احتواء الموقف وتطبيق القرار الأممي 1701، إدراكاً منها بأن استمرار تدهور الأوضاع قد يهدد الاستقرار العالمي ويخلق بؤرة توتر يصعب السيطرة عليها.


