في خطوة تهدف إلى ضمان سلامة وأمن ضيوف الرحمن، شددت الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية على أهمية تحقيق ضوابط الاستطاعة الصحية في الحج، باعتبارها ركيزة أساسية لتمكين الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وسهولة. وتأتي هذه الإجراءات في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها المملكة لتوفير بيئة صحية آمنة لملايين الحجاج الذين يفدون إلى الأراضي المقدسة من كل فج عميق، مما يعكس التزامها العميق بسلامة كل حاج.
الحج بين الاستطاعة الشرعية والضرورة الصحية
لطالما ارتبطت فريضة الحج، وهي الركن الخامس من أركان الإسلام، بمفهوم “الاستطاعة” كما ورد في قوله تعالى: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”. وتشمل الاستطاعة القدرة المالية والبدنية. وعلى مر العصور، كانت القدرة البدنية والصحية شرطاً ضمنياً لأداء هذه الفريضة التي تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً. وفي العصر الحديث، ومع التحديات الصحية العالمية المتزايدة والتجمعات البشرية الهائلة التي يشهدها موسم الحج، تحولت هذه الضرورة الصحية إلى منظومة متكاملة من الإجراءات والاشتراطات الوقائية التي تضعها المملكة. هذه الجهود ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج عقود من الخبرة في إدارة الحشود ومواجهة الأوبئة، وقد تبلورت بشكل خاص بعد جائحة كوفيد-19، لتصبح نموذجاً عالمياً في إدارة التجمعات الكبرى بأمان.
قائمة الأمراض المانعة وشروط الاستطاعة الصحية في الحج
أعلنت وزارة الصحة السعودية وهيئة الصحة العامة (وقاية) عن قائمة محددة من الحالات الصحية والأمراض التي تتعارض مع القدرة البدنية اللازمة لأداء المناسك، مما يمنع أصحابها من الحصول على تصريح الحج. تهدف هذه القائمة إلى حماية الأفراد الأكثر عرضة للخطر من المشقة البدنية الشديدة التي قد تؤدي إلى تفاقم حالتهم الصحية. وتشمل هذه الحالات:
- الفشل الكلوي المتقدم الذي يتطلب غسيلاً دموياً أو بريتونياً.
- فشل القلب المتقدم الذي تظهر أعراضه عند الراحة أو مع أقل مجهود.
- أمراض الرئة المزمنة التي تتطلب استخدام الأكسجين.
- تليف الكبد المتقدم المصحوب بمضاعفات مثل الاستسقاء أو نزيف الدوالي.
- الأمراض العصبية الشديدة وحالات الخرف والشيخوخة المتقدمة التي تعيق الإدراك والاعتماد على النفس.
- الحمل في الأشهر الثلاثة الأخيرة، نظراً للمخاطر المحتملة على الأم والجنين.
التحصينات الإلزامية وتأثيرها على الصحة العامة
إلى جانب الحالات المرضية المانعة، أكدت السلطات الصحية على ضرورة استكمال التحصينات كشرط أساسي لإصدار التصريح. ويُعد لقاح الحمى الشوكية النيسيرية إلزامياً، حيث يجب الحصول على جرعة واحدة من اللقاح الرباعي (ACYW) قبل بدء المناسك بمدة لا تقل عن 10 أيام. كما أوصت بشدة باستكمال التحصين ضد كوفيد-19 والإنفلونزا الموسمية، خاصة للفئات الأكثر عرضة للخطر مثل كبار السن (65 عاماً فأكثر)، الحوامل، والمصابين بأمراض مزمنة. هذه الإجراءات الوقائية لا تحمي الحاج الفرد فحسب، بل تسهم بشكل مباشر في حماية منظومة الصحة العامة العالمية، عبر منع تفشي الأوبئة وانتشارها دولياً بعد عودة الحجاج إلى بلدانهم، مما يعزز من مكانة الحج كحدث آمن ومنظم على كافة الأصعدة.


