تتجه أنظار الفلسطينيين غداً السبت إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات المجالس المحلية الفلسطينية، في خطوة ديمقراطية تأتي في ظل مشهد سياسي معقد يتسم بتراجع كبير في المنافسة بين القوى السياسية التقليدية. ويأتي هذا الاستحقاق الانتخابي في وقت تغيب فيه فصائل وازنة عن المشهد، أبرزها حركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مما يفتح الباب أمام هيمنة القوائم المستقلة والعائلية على غالبية المجالس البلدية والقروية.
تُجرى الانتخابات في 183 هيئة محلية فقط من أصل 420 في الضفة الغربية و25 في قطاع غزة، حيث فازت القوائم المرشحة في باقي الهيئات بالتزكية نظراً لعدم وجود قوائم منافسة. ويبلغ عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت في هذه الدورة حوالي مليون ناخب، يشكلون ما نسبته 67% من إجمالي المسجلين في السجل الانتخابي. وتظهر بيانات لجنة الانتخابات المركزية أن 87% من القوائم المتنافسة هي قوائم مستقلة تضم شخصيات فنية ونشطاء محليين وممثلي عائلات، بينما لا تتجاوز نسبة القوائم الحزبية، التي تقودها حركة فتح وحلفاؤها، 13% فقط، وهو ما يعكس تحولاً في الخارطة السياسية على المستوى المحلي.
خلفيات الانقسام وتأثيرها على انتخابات المجالس المحلية الفلسطينية
لا يمكن فهم المشهد الانتخابي الحالي دون العودة إلى جذور الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي بدأ عام 2007. فهذه الانتخابات المحلية، التي تعد من الممارسات الديمقراطية القليلة المتاحة، تأتي بعد سنوات من تعثر جهود المصالحة وتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت مقررة سابقاً. وقد أدى هذا الانقسام إلى خلق واقعين سياسيين منفصلين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أثر بشكل مباشر على طبيعة المشاركة السياسية.
وقد زاد من تعقيد الموقف إدخال السلطة الفلسطينية تعديلاً على قانون الانتخابات يشترط على المرشحين الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والالتزامات الدولية، وهو ما اعتبرته فصائل معارضة، مثل حماس والجبهة الشعبية، شرطاً سياسياً يهدف إلى إقصائها، كونه يلزمها ضمنياً بالاعتراف باتفاقيات لا تقرها، مما دفعها إلى مقاطعة العملية الانتخابية برمتها. ونتيجة لذلك، خلت مدن كبرى مثل رام الله ونابلس وقلقيلية من أي منافسة حقيقية، حيث فازت قائمة حركة فتح الوحيدة بالتزكية.
تحديات اقتصادية وأمنية تلقي بظلالها على المشهد
تجري هذه الانتخابات في ظل ظروف اقتصادية وأمنية بالغة الصعوبة. حيث يعاني الاقتصاد الفلسطيني من أزمة خانقة، مع وصول معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة (حوالي 37% في الضفة الغربية وأكثر من 80% في قطاع غزة)، وذلك جراء الإجراءات الإسرائيلية المشددة التي تشمل تقييد حركة العمال والبضائع واحتجاز أموال المقاصة. هذه الأوضاع المعيشية الصعبة قد تؤثر على مزاج الناخبين وتقلل من اهتمامهم بالانتخابات المحلية، حيث تصبح أولوياتهم محصورة في تأمين سبل العيش اليومية. وعلى الصعيد الأمني، تساهم الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية في خلق حالة من عدم الاستقرار، مما يلقي بظلاله على قدرة المرشحين على إدارة حملاتهم الانتخابية بحرية ويؤثر على شعور المواطنين بالأمان للمشاركة في يوم الاقتراع. وبالتالي، فإن نتائج هذه الانتخابات قد لا تعبر بالضرورة عن الإرادة الشعبية الكاملة بقدر ما تعكس واقع الانقسام السياسي والتحديات المعيشية الراهنة.


