كواليس وتطورات أزمة اختيار رئيس الوزراء العراقي
تشهد الساحة السياسية في بغداد ترقباً حذراً وسط استمرار أزمة اختيار رئيس الوزراء العراقي، حيث تتداخل العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية. وقد نفى مصدر مقرب من تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق، وجود ضغوط أمريكية وراء تأجيل الاجتماع الحاسم الذي كان مقرراً لتحديد شخصية رئيس الحكومة الجديد. وأوضح المصدر أن التأجيل جاء إثر زيارة غير معلنة أجراها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى العاصمة بغداد، حيث عقد لقاءات مع قادة الإطار التنسيقي لمناقشة التطورات الراهنة.
الجذور التاريخية لمعادلة الحكم والتوافق السياسي
لفهم تعقيدات المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للعملية السياسية في البلاد. فمنذ عام 2003، تأسس النظام السياسي العراقي على قاعدة “الديمقراطية التوافقية”، والتي تفرض توزيع المناصب السيادية بين المكونات الرئيسية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه القاعدة عائقاً أمام تشكيل حكومات قوية وقادرة على اتخاذ قرارات حاسمة. واليوم، يجد التحالف الحاكم نفسه غير قادر على تمرير قراراته وفق قاعدة الإجماع التقليدية، مما يدفعه تدريجياً نحو تبني خيار الأغلبية. ورغم طرح هذا الخيار، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في إنتاج اتفاق نهائي وواضح حول هوية رئيس الحكومة المقبل.
التدخلات الدولية وتوازنات القوى الإقليمية
في موازاة هذه التحولات الداخلية، تتحدث مصادر مطلعة عن حضور متزايد للدور الأمريكي في هذا الملف الحساس. وتبرز هذه التدخلات عبر ضغوط تهدف إلى منع وصول قوى أو شخصيات بعينها إلى رئاسة الحكومة. وفي محاولة لإيجاد توازن يرضي الأطراف الدولية، تسعى قوى داخل الإطار التنسيقي إلى إعادة تسويق خيار تكليف محمد شياع السوداني لولاية ثانية، في خطوة تهدف إلى إقناع واشنطن بقبوله مجدداً ضمن معادلة التوازنات الجديدة.
خريطة التحالفات وحظوظ المرشحين
على الصعيد النيابي، يراهن فريق رئيس حكومة تصريف الأعمال على سيناريو الولاية الثانية، مستنداً إلى مؤشرات تعكس تقدماً واضحاً في مسار التفاوض داخل الإطار التنسيقي. ويحظى السوداني بدعم حوالي 8 قوى سياسية داخل الإطار، من أبرزها تيار الحكمة، وحركة صادقون، وائتلاف النصر، ومنظمة بدر، مما يوفر له كتلة تصويتية تقدر بنحو 134 نائباً. في المقابل، يقف معسكر نوري المالكي، الذي يطرح مرشحين بدلاء مثل باسم البدري (رئيس هيئة المساءلة والعدالة)، مدعوماً من 4 قوى تمثل نحو 34 نائباً. وقد تعهد زعيم منظمة بدر، هادي العامري، بدعم أي مرشح يحصل على 7 توقيعات داخل الإطار، مما يعكس صعوبة تحقيق أغلبية مطلقة لأي من المعسكرين حتى اللحظة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للحدث
تكتسب أزمة اختيار رئيس الوزراء العراقي أهمية بالغة تتجاوز حدود الشأن المحلي لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية. فعلى الصعيد المحلي، يرتبط تشكيل الحكومة الجديدة بضمان الاستقرار الأمني والاقتصادي، وتلبية مطالب الشارع العراقي بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد. أما إقليمياً ودولياً، فإن هوية رئيس الوزراء ستحدد شكل العلاقة المستقبلية بين بغداد وكل من واشنطن وطهران، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط. إن نجاح محور سياسي واسع، يقوده شخصيات مثل عمار الحكيم، في تمرير استحقاقات دستورية سابقة كرئاسة الجمهورية، يمهد الطريق لصفقات سياسية مزدوجة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في العراق، وتؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الدولة تتجاوز مجرد تشكيل حكومة إلى تقاسم النفوذ في محافظات حيوية مثل كركوك وصلاح الدين.


