كشفت تقارير صحفية أمريكية عن كواليس مثيرة تتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث أوضحت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مصادر ومسؤولين في الإدارة الأمريكية السابقة، أن الرئيس دونالد ترمب قاوم بشدة فكرة إرسال جنود من أجل اجتياح جزيرة خارك الإيرانية. جاء هذا التراجع خشية وقوع خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية، مفضلاً بدلاً من ذلك استخدام لغة تبدو «استفزازية وغير متزنة» كأداة ضغط سياسي لدفع طهران للجلوس إلى طاولة المفاوضات وتجنب التصعيد العسكري المباشر.
السياق التاريخي: شبح أزمة الرهائن يطارد الإدارة الأمريكية
لفهم الدوافع الحقيقية وراء هذا القرار، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي شكل الوعي السياسي للرئيس ترمب. لقد سيطرت أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران عام 1979، وفشل السياسة الخارجية للرئيس الأسبق جيمي كارتر في التعامل معها، بقوة على ذهن ترمب. ففي مارس الماضي، صرح ترمب قائلاً: «إذا نظرتم إلى ما حدث مع جيمي كارتر.. مع المروحيات والرهائن، لقد كلفهم ذلك الانتخابات.. يا لها من فوضى». هذا الخوف الشخصي من تكرار كارثة عسكرية مشابهة، حيث قد يتعرض الجنود للإصابة أو عدم العودة إلى أرض الوطن، جعله يتردد في اتخاذ قرارات عسكرية مباشرة على غرار رؤساء أمريكيين آخرين خاضوا حروباً مكلفة في الشرق الأوسط.
الأهمية الاستراتيجية وتداعيات اجتياح جزيرة خارك الإيرانية
تعتبر جزيرة خارك العصب الرئيسي للاقتصاد الإيراني، حيث يمر عبر محطاتها الغالبية العظمى من صادرات النفط الإيرانية إلى العالم. ورغم إبلاغ ترمب من قبل مستشاريه العسكريين بأن مهمة اجتياح جزيرة خارك الإيرانية ستتكلل بالنجاح، وأن الاستيلاء عليها سيمنح واشنطن سيطرة استراتيجية وصولاً إلى مضيق هرمز، إلا أنه خشي من أن تكون التكلفة البشرية مرتفعة بشكل غير مقبول، معتبراً أن الجنود الأمريكيين سيكونون أهدافاً سهلة. على الصعيد الإقليمي والدولي، كان من شأن أي عمل عسكري في هذه المنطقة الحساسة أن يؤدي إلى تداعيات كارثية على أسواق الطاقة. فقد حذر قادة قطاع الطاقة من أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في الأسعار يفوق تقديرات البيت الأبيض، مما سيضر بالاقتصاد العالمي والأمريكي على حد سواء.
إحباط أمريكي من الموقف الأوروبي وأمن مضيق هرمز
شكل التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز مصدر إحباط كبير لترمب، الذي أبدى انزعاجه المتأخر من هشاشة هذا الممر المائي الحيوي، لدرجة أنه صرح بأن «شخصاً يمتلك طائرة مسيرة يمكنه إغلاقه». وقد عبر ترمب مراراً عن غضبه من رفض الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الانضمام لحملته العسكرية والمساعدة في تأمين المضيق. وتجلى هذا الإحباط في سخريته من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعات البيت الأبيض، وانتقاده لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لتباطؤ بلاده في السماح باستخدام القواعد البريطانية لدعم التحركات الأمريكية في المنطقة.
محاولات إعادة تشكيل النظام العالمي
نقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين كبار في الإدارة أن المنشور الشهير الذي أنذر فيه ترمب بـ«إنهاء الحضارة الإيرانية» كان ارتجالياً ولم يكن جزءاً من خطة الأمن القومي المدروسة. كان الهدف الحقيقي لترمب هو تخويف الإيرانيين وإنهاء الصراع دون التورط في حرب شاملة. كان ترمب يعتقد في بداية الأمر أن تحقيق انتصار حاسم على إيران سيمنحه فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام العالمي بطريقة لم يتمكن من تحقيقها في ولايته الأولى، معتقداً أنه بذلك «ينقذ العالم». ومع ذلك، فإن التردد بين الطموحات الجيوسياسية والمخاوف الاقتصادية العميقة، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط واستقرار الأسواق العالمية، هو ما حسم الموقف في النهاية لصالح التراجع عن الخيار العسكري المباشر.


