تتجه الأنظار مجدداً نحو الجهود الدبلوماسية المكثفة، حيث تبرز مفاوضات واشنطن وطهران كأحد أهم الملفات على الساحة الدولية. وفيما لا تزال الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران صامدة، رغم انتهاء جولة المحادثات الأخيرة دون تحقيق اختراق ملموس، اقترحت باكستان استضافة جولة ثانية من المفاوضات يوم الخميس القادم، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد.
جذور التوتر ومسار مفاوضات واشنطن وطهران عبر التاريخ
لفهم طبيعة مفاوضات واشنطن وطهران الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد بين البلدين. منذ عقود، تتسم العلاقات الأمريكية الإيرانية بالتوتر المستمر، والذي بلغ ذروته مع الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. هذا المسار التاريخي خلق حالة من انعدام الثقة، مما يجعل أي محاولة للتقارب الدبلوماسي محفوفة بالتحديات. واليوم، تأتي هذه المحادثات كجزء من عملية دبلوماسية مستمرة وليست مجرد اجتماع لمرة واحدة، حيث تسعى الأطراف لتجاوز عقبات الماضي وتجنب التصعيد العسكري.
مقترح إسلام آباد: فرصة جديدة قبل انتهاء الهدنة
أفاد مسؤولان باكستانيان أن إسلام آباد اقترحت استضافة جولة ثانية من المحادثات قبل انتهاء الهدنة الحالية في 21 أبريل. وأوضحا أن المقترح سيعتمد على رغبة الأطراف، وما إذا كانوا سيطلبون موقعاً مختلفاً، حيث طُرحت مدينة جنيف كخيار بديل. ورجحت المصادر عقد الجولة المرتقبة هذا الأسبوع أو أوائل الأسبوع القادم، رغم أن مصادر إيرانية أفادت بأنه لم يتم بعد الاتفاق النهائي على الموعد. من جهته، أكد دبلوماسي من الدول الوسيطة أن طهران وواشنطن وافقتا مبدئياً على عقد الجولة الثانية، في ظل جهود مستمرة من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لوضع حد للصراع.
فجوة عميقة في الملف النووي تعرقل التوافق
كشفت تقارير صحفية، من بينها ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، عن وجود فجوة عميقة في أحد أبرز الملفات الخلافية. فقد طلبت واشنطن من طهران تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى 20 عاماً، في حين عرضت إيران تعليقاً مؤقتاً يتراوح بين 5 و10 سنوات. هذا العرض الإيراني قوبل برفض قاطع من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مما أبقى الملف النووي في قلب التعقيد. وأعلن ترمب أن إيران تواصلت مع الولايات المتحدة مبدية رغبة في التوصل إلى اتفاق، لكنه شدد بوضوح على أنه لن يوافق على أي اتفاق يسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي. وفي السياق ذاته، أوضح نائب الرئيس جي دي فانس أن بلاده أحرزت تقدماً كبيراً في المحادثات المباشرة التي عقدت السبت الماضي في إسلام آباد، والتي جاءت بعد تصعيد امتد لـ 40 يوماً. وبعد أكثر من 21 ساعة من التفاوض، صرح فانس بأن “الكرة باتت في ملعب الإيرانيين”، مشيراً إلى أن طهران لم تلبِ المطالب الأمريكية بالكامل.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي مخرج دبلوماسي
تحمل نتائج هذه المحادثات أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على المستويين الإقليمي والدولي. فنجاح الجهود الدبلوماسية من شأنه أن يهدئ من روع الأسواق العالمية، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة وحركة الملاحة، ويقلل من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد تؤثر على استقرار الشرق الأوسط بأكمله. ونقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادر أمريكية أن هناك توجهاً لتمديد وقف إطلاق النار، بهدف منح المفاوضين مزيداً من الوقت للوصول إلى صيغة توافقية. وتسود حالة من التفاؤل الحذر داخل أروقة صنع القرار في واشنطن بإمكانية التوصل إلى مخرج دبلوماسي للأزمة، رغم استمرار التباينات الجوهرية. من جانبها، اعتبرت الخارجية الإيرانية أن الجولة السابقة كانت إيجابية واقتربت من الاتفاق على عدة نقاط، محملة “المطالب الأمريكية المتشددة” مسؤولية بقاء بعض المسائل عالقة.


