تتجه أنظار العالم بأسره نحو مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يُعد شرياناً حيوياً يمر عبره خُمس شحنات النفط والغاز عالمياً، وذلك بالتزامن مع إعلان الإدارة الأمريكية عن دخول الحصار البحري على إيران وموانئها حيز التنفيذ الفعلي. هذا التطور الخطير يضع المنطقة على صفيح ساخن، حيث تتسارع وتيرة التحركات العسكرية لفرض طوق أمني محكم يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني وتقييد حركته البحرية.
تفاصيل الانتشار العسكري لتنفيذ الحصار البحري على إيران
أفاد الجيش الأمريكي بأن هذا الحصار سيمتد شرقاً ليشمل خليج عُمان وبحر العرب. وقد صرح مسؤولون عسكريون بأنه سيتم تكليف مجموعتين على الأقل من حاملات الطائرات أو القوات الجوية بتوفير غطاء جوي مكثف فوق المضيق، وفقاً لما نقله موقع “دي أتلانتيك”. وفي سياق متصل، كشف مسؤول أمريكي رفيع لصحيفة “وول ستريت جورنال” أنه تم نشر أكثر من 15 سفينة حربية أمريكية لدعم هذه العملية المعقدة.
وأوضح المسؤول أن القوات تمركزت خارج مضيق هرمز قبالة سواحل سلطنة عُمان، وتضم حاملتي طائرات هجومية، من بينها “يو إس إس أبراهام لينكولن”، ونحو 12 مدمرة لتوفير تغطية جوية وبحرية واسعة النطاق. كما انتشرت نحو 6 مدمرات إضافية داخل مياه الخليج العربي لضمان السيطرة التامة.
من جهة أخرى، أشار مسؤولان أمريكيان إلى أن حاملة الطائرات “يو إس إس جورج بوش الأب” تبحر حالياً قبالة سواحل إفريقيا في طريقها إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى عملية “الغضب الملحمي”، وقد اتخذت الحاملة مساراً غير معتاد بالإبحار حول القرن الإفريقي بدلاً من المرور عبر البحر الأبيض المتوسط، وذلك لتجنب البحر الأحمر حيث تتزايد التهديدات بهجمات من جماعة الحوثي في اليمن. وتُعد “جورج بوش” ثالث حاملة طائرات أمريكية تُنشر في المنطقة في إطار هذا التصعيد.
السياق التاريخي للتوترات في مضيق هرمز
لا يُعد هذا التصعيد وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التوترات بين واشنطن وطهران في مياه الخليج. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال “حرب الناقلات”، اضطرت الولايات المتحدة للتدخل عسكرياً لحماية السفن التجارية من الألغام والهجمات الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، تستخدم الولايات المتحدة استراتيجية الردع البحري لضمان حرية الملاحة في هذا الممر المائي الذي يمثل عنق الزجاجة لإمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي.
عمليات تطهير الألغام وتأمين الملاحة
إلى جانب السفن الحربية، تشارك طائرات استطلاع وطائرات بدون طيار في مراقبة المنطقة الممتدة من خليج عُمان وحتى داخل الخليج العربي. وتُستخدم أنظمة الرادار والأقمار الصناعية والبث الراديوي لتحذير البحارة مسبقاً، مع توجيه نداءات للسفن المدنية بضرورة التواصل مع البحرية الأمريكية عند الاقتراب من المنطقة.
وذكرت مصادر مطلعة لشبكة “سي إن إن” أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل عمليات تطهير لمضيق هرمز من الألغام التي زرعتها القوات الإيرانية. وتشارك في هذه المهام مدمرات موجهة مثل “يو إس إس فرانك إي بيترسون” و”يو إس إس مايكل ميرفي”، بالإضافة إلى طائرات بدون طيار تعمل تحت الماء وسفن متخصصة في مكافحة الألغام.
وقد ألمحت الإدارة الأمريكية إلى أن تكتيكات فرض الحصار قد تتشابه مع الإجراءات التي اتُخذت سابقاً ضد فنزويلا، حيث سيتم استهداف أي زوارق هجومية سريعة إيرانية باستخدام أنظمة قتالية متطورة مشابهة لتلك المستخدمة ضد مهربي المخدرات في عرض البحر.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد العسكري
يحمل هذا الإغلاق العسكري تداعيات هائلة على المستويين الإقليمي والدولي. فمن الناحية الاقتصادية، يثير أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز مخاوف جدية بشأن أمن الطاقة العالمي، مما قد يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط وتأثيرات سلبية على الاقتصاد العالمي. أما على الصعيد الإقليمي، فإن هذا التحرك يزيد من احتمالات اندلاع مواجهات مباشرة أو حروب بالوكالة.
بالتزامن مع ذلك، أصدرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) إشعاراً يفيد بفرض قيود صارمة على الوصول البحري إلى الموانئ الإيرانية والمناطق الساحلية. ويأتي هذا الحصار الشامل على حركة الملاحة البحرية المتجهة من وإلى إيران كخطوة تصعيدية محفوفة بالمخاطر، خاصة بعد انتهاء محادثات السلام في باكستان دون التوصل إلى اتفاق، مما دفع طهران إلى التهديد بالرد، واضعاً المنطقة بأسرها أمام مستقبل غامض ومفتوح على كافة الاحتمالات.


