في تصعيد غير مسبوق يخلط بين السياسة والجدل الشخصي، فجّر نجل الرئيس الأوغندي وقائد القوات الدفاعية، الجنرال موهوزي كاينيروغابا، أزمة أوغندا وتركيا الدبلوماسية الحادة. جاء هذا التوتر بعد مطالبته أنقرة بدفع مبلغ مليار دولار أمريكي، مرفقاً ذلك بطلب صادم وغريب تمثل في «الزواج من أجمل امرأة في البلاد»، مما أثار موجة انتقادات واسعة على المستويين الداخلي والخارجي، ووضع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على المحك.
تفاصيل أزمة أوغندا وتركيا: مطالب مالية وتهديد بإغلاق السفارة
بدأت فصول هذه الأزمة بسلسلة منشورات أطلقها الجنرال الأوغندي عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، أكد فيها أن بلاده تستحق «عائداً مالياً» ضخماً نظير دورها الأمني والعسكري المحوري في المنطقة، وتحديداً في الصومال. ولوّح كاينيروغابا باتخاذ إجراءات تصعيدية صارمة، أبرزها إغلاق السفارة التركية في العاصمة كمبالا خلال 30 يوماً فقط، في حال عدم استجابة أنقرة لمطلب دفع المليار دولار، قائلاً بلهجة حادة لا تخلو من التهديد: «إما أن يدفعوا لنا، أو سنغلق سفارتهم».
طلب غريب يفجر الغضب الدبلوماسي
لم تقتصر المطالب على الجانب المالي فحسب، بل اتخذت طابعاً شخصياً أثار استهجاناً واسعاً. فقد طالب الجنرال الأوغندي تركيا بتسليمه «أجمل امرأة في البلاد» للزواج منها. هذه الخطوة وُصفت بأنها خروج تام عن الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً، وأثارت موجة استياء عارمة على منصات التواصل الاجتماعي. ورغم مسارعته لاحقاً إلى حذف هذه التصريحات، إلا أن تداعياتها استمرت في إشعال النقاشات حول حدود الخطاب الرسمي والمسؤولية السياسية لكبار القادة.
السياق التاريخي: دور كمبالا وأنقرة في القرن الإفريقي
لفهم جذور هذا التوتر، يجب النظر إلى خريطة النفوذ في القرن الإفريقي. تشارك القوات الأوغندية بشكل رئيسي ضمن بعثات الاتحاد الإفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس) لمكافحة حركة الشباب الإرهابية، وتتحمل العبء الأمني الأكبر منذ سنوات طويلة. في المقابل، تمتلك تركيا نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً هائلاً في الصومال، حيث تدير مشاريع إستراتيجية في العاصمة مقديشو تشمل الموانئ والمطارات، وتضم الصومال أكبر قاعدة عسكرية تركية في الخارج (كامب تركسوم). يرى المسؤول الأوغندي أن تركيا تستفيد اقتصادياً من الاستقرار الذي تدفع أوغندا ثمنه من دماء جنودها ومواردها، مما خلق شعوراً بعدم توازن المصالح.
سجل حافل بالتصريحات المثيرة للجدل
ليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها كاينيروغابا، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كخليفة محتمل لوالده الرئيس يوويري موسيفيني الذي يحكم البلاد منذ عام 1986، الجدل بتصريحات غير تقليدية. ففي عام 2022، عرض تقديم 100 بقرة من سلالة «أنكولي» الفاخرة مقابل الزواج من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وهو تصريح أثار حينها موجة سخرية وانتقادات دولية واسعة، وسلط الضوء على أسلوبه المثير للجدل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعليق على الشؤون الدولية.
التداعيات المتوقعة على المشهد الإقليمي والدولي
تحمل هذه الأزمة أبعاداً تتجاوز حدود البلدين. على المستوى الإقليمي، قد يؤدي أي صدام دبلوماسي بين أوغندا، المزود الرئيسي للأمن في الصومال، وتركيا، الداعم الاقتصادي والعسكري الأبرز لمقديشو، إلى إضعاف الجهود الدولية المنسقة لمكافحة الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي الحساسة. أما دولياً، فإن هذه التصريحات تضعف من موثوقية أوغندا كشريك دبلوماسي متزن، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل تقاسم الأعباء بين الدول الفاعلة في القارة السمراء.
محاولات التهدئة والتمسك بالشراكة الاستراتيجية
في محاولة لاحتواء الموقف، سارعت أوغندا الرسمية إلى إصدار تعليقات تهدئ من روع الأزمة. أكد مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، أدونيا أيباري، أن تصريحات الجنرال تعكس «عدم رضا» عن بعض الملفات العالقة، لكنها لا تعني بالضرورة انهيار العلاقات الثنائية. وشدد على أن بلاده تولي أهمية كبيرة لشراكتها مع تركيا، مضيفاً: «لن يكون ذلك على حساب سيادتنا». وأبدت كمبالا استعدادها للدخول في مفاوضات قائمة على «حسن النية»، مؤكدة أنه «لا داعي للذعر في الوقت الراهن»، في رسالة واضحة تهدف للموازنة بين التصعيد الإعلامي والحفاظ على خيوط التواصل الدبلوماسي مع أنقرة.


