تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً جذرياً في هيكلة القوى العاملة الوطنية، حيث سجلت السعوديات في قطاع المحاسبة حضوراً لافتاً ونمواً متسارعاً خلال الفترة من 2023 إلى 2025. هذا الصعود الملحوظ لا يعكس فقط تطور البيئة المهنية، بل يؤكد اتساع قاعدة الكفاءات الوطنية المؤهلة، مما يعزز مسار صناعة الثقة في التقارير المالية ويرفع مستوى الامتثال للمعايير الدولية، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين.
تمكين المرأة ركيزة أساسية في التحول الاقتصادي
يأتي هذا النمو الكبير في سياق الحراك الاقتصادي والاجتماعي الذي تقوده رؤية المملكة 2030، التي وضعت تمكين المرأة ورفع نسبة مشاركتها في سوق العمل على رأس أولوياتها. لم يعد دور المرأة مقتصراً على الوظائف التقليدية، بل اقتحمت المجالات التخصصية الدقيقة مثل المحاسبة والمراجعة القانونية. تاريخياً، كان هذا القطاع يواجه تحديات في استقطاب الكوادر النسائية، ولكن بفضل برامج الدعم الحكومي، وتطوير التشريعات، وتسهيل بيئة الأعمال، أصبحت المرأة السعودية شريكاً فاعلاً في تعزيز الشفافية المالية والحوكمة في القطاعين العام والخاص.
أرقام قياسية تعكس الكفاءة والجاهزية
كشفت الإحصائيات الرسمية عن قفزة نوعية في المؤشرات، حيث سجل مؤشر عدد الحاصلات على الشهادات المهنية نمواً بلغ 144%، ليصل إجمالي الحاصلات على هذه الشهادات إلى 3,524 بنهاية عام 2025. وتشمل هذه الشهادات مسارات مهنية رفيعة المستوى مثل زمالة الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، وشهادة أخصائي ضريبة القيمة المضافة، وغيرها من الشهادات التخصصية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً برفع الجاهزية الفنية وجودة المخرجات المهنية.
ولم يقتصر الأمر على الشهادات، بل امتد النمو ليشمل مزاولة المهن التي تقع تحت إشراف الهيئة، إذ ارتفع إجمالي النساء الحاصلات على رخص مزاولة المهنة من 219 مرخَّصة بنهاية 2023 إلى 317 مرخَّصة بنهاية 2025، بنسبة نمو بلغت 45%. يعكس هذا الرقم اتساع نطاق الممارسة المهنية النظامية ودخول كوادر نسائية أكثر إلى السوق عبر تأسيس مكاتب مهنية جديدة ومستقلة.
مستقبل واعد: السعوديات في قطاع المحاسبة والتدريب
في جانب التدريب والتأهيل، الذي يعد حجر الزاوية لاستدامة التطور المهني، ارتفع عدد المتدربات من 5,261 متدربة في عام 2023 إلى 7,727 متدربة في عام 2025، محققاً نسبة نمو قاربت 47%. هذا الإقبال المتزايد يدلل على استمرار الاستثمار في تنمية المهارات ومواكبة المتغيرات الفنية المتسارعة.
إن هذا النمو المتصاعد يعكس جودة بيئة العمل المحاسبية وتطور جاذبية المهنة للكوادر الوطنية، مما يسهم بشكل مباشر في تعزيز موثوقية التقارير المالية، ورفع كفاءة الحوكمة والامتثال، وتحسين جودة القرار المالي، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة المملكة كمركز مالي إقليمي رائد.


