بعد مرور ثمانية أشهر على الضربة التي استهدفت اجتماعاً سرياً لقيادات حكومية تابعة لجماعة الحوثيين في صنعاء وأسفرت عن مقتل رئيس الحكومة أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة. هذا الفراغ السياسي المطول لا يكشف فقط عن خلل بنيوي في منظومة الحكم داخل مناطق سيطرتها، بل يعمق بشكل متسارع نفوذ ما يعرف بـ سلطة الظل الحوثية، وهي شبكة موازية تدير القرار الفعلي خارج الهياكل الرسمية المعلنة.
هياكل موازية: جذور الحكم المزدوج في صنعاء
لفهم الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى الأعوام التي تلت سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. منذ البداية، تبنت الجماعة نموذج حكم مزدوجاً يجمع بين الإبقاء الشكلي على مؤسسات الدولة الجمهورية (الوزارات والهيئات الحكومية) وإنشاء بنية تحتية موازية تتمثل في شبكة “المشرفين”. هؤلاء المشرفون، الذين يتمتعون بولاء أيديولوجي مباشر لقيادة الجماعة، يمارسون سلطة واسعة داخل المؤسسات الرسمية، متجاوزين الوزراء والمديرين المعينين. وقد ترسخ هذا النموذج بشكل أكبر بعد مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح في 2017، حيث أحكمت الجماعة قبضتها على مفاصل الدولة وأزاحت أي بقايا لشراكة سابقة، مما جعل المؤسسات الرسمية مجرد واجهة لتنفيذ قرارات تتخذ في دوائر مغلقة.
تداعيات الفراغ: كيف تترسخ سلطة الظل الحوثية؟
شكّلت الغارة التي أودت بحياة الرهوي ووزرائه ضربة قاصمة للواجهة المدنية التي حاول الحوثيون تقديمها. وبدلاً من إعادة تشكيل الحكومة بسرعة، لجأت الجماعة إلى حلول مؤقتة عبر تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح بتسيير الأعمال وتعيين قائمين بالأعمال في بعض الوزارات. يرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع يعكس محدودية الدور الفعلي للحكومة، حيث أن غيابها لم يؤدِ إلى شلل ملحوظ في إدارة المؤسسات، مما يؤكد فرضية أن مراكز القرار الحقيقية تعمل خارج الإطار الرسمي. هذا الفراغ المستمر يمنح شبكة المشرفين، أو “سلطة الظل”، فرصة لتوسيع نفوذها وتجذيره، حيث تتولى إدارة الموارد والإشراف على الأمن وتوجيه السياسات العامة دون أي غطاء رسمي أو مساءلة قانونية، مما يضعف ما تبقى من هيكل الدولة ويزيد من صعوبة أي تسوية سياسية مستقبلية تتطلب التعامل مع مؤسسات واضحة.
تداعيات إنسانية وأمنية مقلقة
يتزامن هذا الجمود السياسي مع تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن. تحذر منظمات دولية، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، من أن أكثر من 17 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. إن غياب حكومة فاعلة يعرقل تنسيق جهود الإغاثة ويزيد من معاناة المواطنين الذين يعانون أصلاً من انقطاع الرواتب وتدهور الخدمات الأساسية. على الصعيد الأمني، وفي أعقاب الضربات التي استهدفت قياداتها، شددت جماعة الحوثي من قبضتها الأمنية عبر أجهزتها الداخلية، وأبرزها ما يعرف بـ”الأمن الوقائي”. وقد أدت هذه القيود إلى تقليص الظهور العلني للمسؤولين والحد من نشاطهم الميداني، مما زاد من حالة الغموض المحيطة بآليات اتخاذ القرار وعزل صانعي السياسات عن الواقع الخدمي والمعيشي للمواطنين.


