في خطوة غير مسبوقة أثارت تفاعلاً واسعاً، نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) مقطعاً مصوراً لافتاً للانتباه. يظهر في فيديو ترمب المثير للجدل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وهو يردد كلمة واحدة فقط، وهي «الفوز» (Win)، وذلك في مقطع متواصل يمتد لساعة كاملة. وقد أرفق البيت الأبيض هذا المقطع بتعليق رسمي جاء فيه: «الرئيس ترمب يقول كلمة الفوز لمدة ساعة.. لا يستطيع التوقف ولن يتوقف». سرعان ما انتشر هذا المقطع كالنار في الهشيم عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ليثير موجة من الردود المتضاربة بين مؤيدين رأوا فيه رسالة قوة وإصرار، ومعارضين وصفوه بالخطوة الغريبة وغير المألوفة في الدبلوماسية الرقمية.
السياق التاريخي وراء فيديو ترمب المثير للجدل
لم يأتِ فيديو ترمب من فراغ، بل يعكس استراتيجية طويلة الأمد اعتمدتها الإدارة الأمريكية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة سياسية رئيسية. تاريخياً، شكلت منصات مثل «إكس» منبراً أساسياً للرئيس ترمب لتوجيه رسائله المباشرة إلى الجمهور وتجاوز وسائل الإعلام التقليدية. يتزامن نشر هذا المقطع مع فترة حساسة تشهد تصاعداً ملحوظاً في التوترات الدولية، لا سيما العلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران. لطالما استخدمت الإدارة الأمريكية مصطلح “الفوز” كجزء من خطابها السياسي لتعزيز الروح المعنوية وإيصال رسائل حازمة للخصوم. وفي هذا السياق، يُعد المقطع استمراراً لرسائل ترمب المتكررة حول تحقيق الانتصارات في المواجهات السياسية والاقتصادية، وتأكيداً على مزاعمه بتحقيق تقدم ملموس على جبهات متعددة، بما في ذلك الصراع المستمر مع طهران.
تأثير المقطع وحرب السوشيال ميديا مع إيران
يحمل هذا الحدث أهمية كبرى تتجاوز مجرد كونه مقطعاً ترويجياً، حيث يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة الصراعات الدولية الحديثة التي باتت تعتمد بشكل كبير على الفضاء الرقمي. على الصعيد الإقليمي والدولي، أشار العديد من المحللين إلى أن الولايات المتحدة تواجه تحديات غير تقليدية في ما يُعرف بـ «حرب السوشيال ميديا». وفي هذا الصدد، أفادت تقارير أمريكية، من بينها ما نشرته صحيفة «ذا هيل»، بأن إيران تحقق تفوقاً ملحوظاً في هذا الميدان الرقمي ضد الولايات المتحدة. تعتمد البعثات الدبلوماسية الإيرانية والجهات التابعة لها على تكتيكات متطورة تشمل استخدام مقاطع فيديو مولدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. تتسم هذه المقاطع بالذكاء والسخرية اللاذعة، وتهدف بشكل أساسي إلى انتقاد الرئيس ترمب والموقف الأمريكي من الصراعات الدائرة.
القوة الحادة وتشكيل الرأي العام الدولي
إن استخدام هذه التكتيكات الرقمية يسلط الضوء على مفهوم “القوة الحادة” في العلاقات الدولية. وفي تعليقها على هذه الظاهرة، أوضحت بريا دوشي، أستاذة الاتصالات الإستراتيجية في جامعة هيرست، أن «القوة الحادة هي محاولة متعمدة لزعزعة استقرار الخصم بتشويه صورته، أو باستخدام أنظمته ضده». هذا التصريح يفسر بوضوح كيف أن الصراع لم يعد يقتصر على الجبهات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بل امتد ليشمل السيطرة على السردية الإعلامية وتوجيه الرأي العام العالمي. إن تبادل الرسائل الرقمية، سواء عبر مقاطع تعزز مفهوم “الفوز” من الجانب الأمريكي، أو من خلال حملات السخرية الموجهة من الجانب الإيراني، يؤكد أن الفضاء الإلكتروني أصبح ساحة المعركة الأهم في القرن الحادي والعشرين، حيث يسعى كل طرف لفرض هيمنته النفسية والسياسية على الآخر.


