أثار التصعيد العسكري المتبادل بين إيران والولايات المتحدة تساؤلات مقلقة حول مستقبل الهدنة بين واشنطن وطهران، والتي تبدو هشة أكثر من أي وقت مضى. وفيما تتواصل جهود الوساطة الإقليمية والدولية لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، يجد الطرفان نفسيهما على حافة الهاوية، حيث تسعى كل جهة لتجنب حرب واسعة النطاق مع الحفاظ على أوراق ضغطها، مما يضع استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها على المحك.
جذور التوتر: عقود من الصراع الخفي والمعلن
لم تكن التوترات الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من العداء المتبادل الذي بدأ مع الثورة الإيرانية عام 1979. شهدت العلاقات فترات من المد والجزر، لكنها وصلت إلى نقطة تحول دبلوماسي مع توقيع الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، والذي كان يهدف إلى الحد من برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 وإعادة فرض عقوبات مشددة ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، أعاد التوتر إلى ذروته، وفتح الباب أمام سلسلة من الحوادث الأمنية في مياه الخليج ومناطق أخرى، مما جعل أي تهدئة مؤقتة عرضة للانهيار السريع.
جهود دبلوماسية مكثفة لإنقاذ الهدنة بين واشنطن وطهران
في خضم هذا المناخ المشحون، تكثف أطراف إقليمية ودولية جهودها الدبلوماسية لاحتواء الموقف. وكشفت مصادر لموقع «أكسيوس» أن دولاً مثل قطر، باكستان، السعودية، تركيا، ومصر، تبذل مساعي حثيثة لتقريب وجهات النظر وإحياء المفاوضات. وتجري حالياً تحركات دبلوماسية خلف الكواليس، حيث أكد مسؤول أمريكي لشبكة CNN أن واشنطن تتبع نهجاً يقوم على تنفيذ ضربات محددة ثم التوقف مؤقتاً لإفساح المجال أمام الدبلوماسية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة “تحتفظ بقائمة أهداف لاستخدامها كورقة ضغط”.
ورغم المواجهات العسكرية الأخيرة التي هددت بنسف وقف إطلاق النار الهش، نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن مسؤول أمريكي تأكيده أن المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال مستمرة، وأن واشنطن ملتزمة بالتوصل إلى حل. وفي هذا السياق، عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اجتماعاً مع كبار أعضاء فريقه للأمن القومي لبحث الخيارات المتاحة، مع التركيز حالياً على إعادة فتح مضيق هرمز وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
مضيق هرمز: شريان النفط العالمي في قلب الأزمة
تكتسب الأزمة بعداً دولياً خطيراً بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي. أي إغلاق للمضيق أو تصعيد عسكري فيه من شأنه أن يؤدي إلى اضطراب هائل في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع جنوني في أسعار النفط، مما سيؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي بأسره. وقد وصفت واشنطن الهجمات الإيرانية على السفن في المضيق بأنها “أعمال إرهابية”، مؤكدة أن تصرفات طهران لا تتوافق مع التزاماتها. ولهذا السبب، أوضحت القيادة المركزية الأمريكية أن الضربات الأخيرة استهدفت بشكل أساسي منظومات الدفاع الجوي، ومستودعات الطائرات المسيرة والصواريخ، والبنية التحتية اللوجستية على الساحل الإيراني، بهدف “إضعاف قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز”.


