في خطوة تعكس تداخل المسارات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، برزت تطورات جديدة تتعلق بملف مفاوضات واشنطن وطهران، بالتزامن مع استمرار التصعيد الميداني. فقد أعلنت مصادر إسرائيلية عن تكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لمساعده المقرب رون ديرمر بمتابعة هذا الملف الحساس. يأتي هذا التحرك الدبلوماسي في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية المكثفة في لبنان، مستهدفاً قيادات مرتبطة بإيران وبنى تحتية تابعة لحزب الله، مما ينذر بمرحلة جديدة من الصراع المفتوح على جبهات متعددة.
أبعاد تكليف ديرمر بملف مفاوضات واشنطن وطهران
كشف مسؤول إسرائيلي في تصريحات لوكالة «بلومبرغ» أن نتنياهو أوكل إلى وزير الشؤون الاستراتيجية السابق والسفير الإسرائيلي الأسبق لدى واشنطن، رون ديرمر، مهمة دقيقة تتمثل في متابعة مفاوضات واشنطن وطهران التي تهدف إلى إنهاء حالة التوتر الحالية. وأوضح المسؤول أن تركيز ديرمر ينصب بشكل أساسي على ضمان تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل. وتشمل المهام الموكلة إليه استعادة والتخلص من نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب الذي تمتلكه طهران. وتراهن الحكومة الإسرائيلية على علاقات ديرمر الوثيقة مع دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، خاصة مع إدارة الرئيس دونالد ترمب ومسؤوليها، حيث تعتقد إسرائيل أن ترمب يسعى لتحقيق الأهداف ذاتها تجاه طهران.
السياق التاريخي للتوترات النووية والجهود الدبلوماسية
لفهم أهمية هذه التحركات، يجب النظر إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، تسارعت وتيرة تخصيب اليورانيوم في إيران، مما أثار قلقاً دولياً وإقليمياً واسعاً. إسرائيل، من جانبها، اعتبرت دائماً أن امتلاك إيران لسلاح نووي يشكل تهديداً وجودياً لها، وعملت على مدى سنوات عبر استراتيجيات استخباراتية ودبلوماسية لإحباط هذا المشروع. وتأتي التحركات الحالية لديرمر كامتداد لهذه الاستراتيجية التاريخية، حيث تسعى تل أبيب لضمان ألا تؤدي أي تسويات سياسية مستقبلية إلى بقاء البنية التحتية النووية الإيرانية قادرة على إنتاج سلاح.
التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان واستهداف قيادات فيلق القدس
على الصعيد الميداني، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ عملية نوعية أسفرت عن مقتل محمد علي كوراني، وهو عنصر بارز في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني في لبنان. ووفقاً للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، فقد نفذ سلاح البحرية الهجوم بناءً على توجيهات استخباراتية دقيقة من جهاز “الشاباك” في منطقة بيروت. واتُهم كوراني بالترويج لمخططات إرهابية بتوجيه مباشر من جهات استخباراتية إيرانية، تهدف إلى تجنيد وتشغيل عناصر داخل لبنان لتنفيذ هجمات.
وفي سياق متصل، وسّع الجيش الإسرائيلي من بنك أهدافه ليشمل البنية التحتية الاقتصادية لحزب الله. فقد استهدفت الطائرات الإسرائيلية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية عدة محطات وقود تابعة لشركة «الأمانة» في مناطق متفرقة من لبنان. وزعم البيان العسكري أن هذه الشركة تخضع لسيطرة حزب الله وتُستخدم كأداة اقتصادية لتمويل نشاطاته، مشيراً إلى أن المحطات المستهدفة كانت تُستخدم لتزويد الشاحنات التي تنقل الأسلحة والعناصر التابعة للحزب بالوقود.
التداعيات الإقليمية والدولية للتحركات الإسرائيلية
يحمل هذا التزامن بين الضغط العسكري في لبنان والتحرك الدبلوماسي في واشنطن أهمية بالغة وتأثيرات متوقعة على مستويات عدة. محلياً وإقليمياً، يؤدي ضرب البنى التحتية لحزب الله واغتيال قيادات الارتباط الإيراني إلى إضعاف القدرات اللوجستية للمحور الذي تقوده طهران، مما قد يغير من موازين القوى في المواجهات الحدودية. أما على الصعيد الدولي، فإن سعي إسرائيل لفرض شروطها في أي تسوية محتملة يعكس رغبة في إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط. إن نجاح ديرمر في حشد الدعم الأمريكي لرؤية إسرائيل قد يؤدي إلى فرض عقوبات أكثر صرامة أو حتى التلويح بخيارات عسكرية دولية ضد طهران، مما يجعل المنطقة بأسرها تقف على أعتاب تحولات جيوسياسية حاسمة قد تحدد شكل الاستقرار الإقليمي للعقود القادمة.


