تحول في الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران
في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو منع إيران من تطوير أسلحة نووية. ومع تراجع واشنطن عن هدف “تغيير النظام” في طهران، أو غياب أي بوادر لاتفاق دبلوماسي يقضي بتسليم القيادة الإيرانية لليورانيوم المخصب طواعية، يبرز على الساحة سيناريو عسكري غير مسبوق يتمثل في الاستيلاء بالقوة على المواد الانشطارية الإيرانية. هذا الخيار يبدو مرجحاً بشكل متزايد، خاصة مع التقارير التي تتحدث عن قرب وصول قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) إلى المنطقة.
السياق التاريخي وتصاعد معدلات التخصيب
لفهم أبعاد هذا التوجه، يجب العودة إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، تخلت طهران تدريجياً عن التزاماتها، ورفعت نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن إيران تمتلك حالياً أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، ونحو 200 كيلوغرام من المواد الانشطارية المخصبة بنسبة 20%. هذه الكميات يمكن تحويلها بسهولة وسرعة إلى يورانيوم مخصب بنسبة 90%، وهي النسبة المطلوبة لتصنيع الأسلحة النووية، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ أمني خطير.
عملية عسكرية محفوفة بالمخاطر
نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن خبراء وعسكريين أمريكيين سابقين تأكيدهم أن الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني لن يكون مهمة سهلة، بل سيشكل عملية عسكرية بالغة التعقيد. ورغم امتلاك الجيش الأمريكي لفرق نخبوية مدربة خصيصاً لإزالة المواد المشعة من مناطق النزاع، إلا أن تحديد مواقع مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم واستخراجها يتطلب تنسيقاً استخباراتياً وعملياتياً دقيقاً. وقد صرح الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد السابق لحلف الناتو، بأن هذا التحرك قد يتطلب “أكبر عملية للقوات الخاصة في التاريخ”.
من جانبه، أوضح ريتشارد نيفيو، المدير السابق لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي، أن العملية ستحتاج إلى أكثر من ألف جندي في الموقع الواحد لعدة أيام. وتتضاعف المخاطر بسبب التهديدات المحيطة مثل الطائرات المسيّرة، العبوات الناسفة، الفخاخ، ومخاطر التلوث الإشعاعي والكيميائي.
مواقع التخزين وموقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية
كشف رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن اليورانيوم الإيراني يتركز بشكل رئيسي في موقعين من أصل ثلاثة تعرضت لهجمات سابقة: نفق تحت الأرض في المجمع النووي بأصفهان، ومخبأ في منشأة نطنز. وأكد أن نصف المواد المخصبة بنسبة 60% موجودة في أنفاق أصفهان. ورغم إقرار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن إيران لا تقوم بتخصيب اليورانيوم في الوقت الحالي، وعدم رصد الوكالة لأي محاولات لنقل هذه المواد، إلا أن حالة الترقب تظل سيد الموقف، في حين تصر طهران علناً على سلمية برنامجها وعدم سعيها لامتلاك قنبلة نووية.
التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة
يحمل هذا السيناريو تداعيات هائلة على المستويين الإقليمي والدولي. ففي حال قررت واشنطن ترك المخزون في حوزة إيران مع توجيه تحذيرات صارمة بشن ضربات عسكرية إذا تم تحريكه أو استئناف تخصيبه، فإن المنطقة ستبقى على صفيح ساخن. وتلعب الاستخبارات الإسرائيلية والأقمار الصناعية الأمريكية دوراً حاسماً في مراقبة أنشطة طهران. وفي سيناريو ضيق الوقت، قد تلجأ واشنطن إلى تخفيف تركيز المواد بخلطها باليورانيوم الطبيعي أو تدميرها في مكانها، وهو ما قد يتسبب في كارثة تلوث كيميائي وإشعاعي في المنطقة، ناهيك عن احتمالية اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تعطل إمدادات الطاقة العالمية وتؤثر على استقرار الشرق الأوسط بأسره.


