أطلق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، تحذيرات شديدة اللهجة من مغبة استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مشدداً على ضرورة تحييد المنشآت النووية عن أي صراعات مسلحة. وجاء هذا التحذير العاجل بعد الإعلان عن تعرض محطة بوشهر الإيرانية لضربة رابعة خلال الأسابيع الأخيرة، مما ينذر بخطر وقوع كارثة نووية قد تتجاوز تداعياتها الحدود الجغرافية في حال استمرار استهداف هذه المواقع الحساسة.
تفاصيل الهجوم الأخير على محطة بوشهر الإيرانية
أوضح غروسي أن الوكالة الدولية تلقت تقارير ومعلومات رسمية من السلطات في طهران تؤكد وقوع هجوم جديد استهدف محطة بوشهر الإيرانية. وأسفرت هذه الضربة عن مقتل أحد أفراد طاقم الحماية المادية للموقع جراء إصابته بشظية قذيفة، بالإضافة إلى تضرر أحد المباني الملحقة بالمحطة نتيجة موجات الصدمة والشظايا المتناثرة. وعلى الرغم من هذا التصعيد الخطير، طمأن غروسي المجتمع الدولي بأنه لم يتم تسجيل أي زيادة في مستويات الإشعاع النووي إثر هذا الحادث، لكنه شدد في الوقت ذاته على الخطورة البالغة لتكرار مثل هذه الهجمات التي قد تؤدي إلى أضرار لا يمكن احتواؤها.
السياق التاريخي للبرنامج النووي وتأسيس المفاعل
تعتبر المنشآت النووية في طهران محوراً أساسياً في التوترات الإقليمية والدولية منذ عقود. وتضم المنشأة المستهدفة مفاعلاً نووياً روسي الصنع يعمل بقدرة إنتاجية تبلغ 1000 ميغاواط، وهي المحطة النووية الوحيدة العاملة حالياً في البلاد. يعود تاريخ هذا المشروع إلى سبعينيات القرن الماضي عندما بدأت شركات ألمانية بناءه، قبل أن يتوقف العمل إبان الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية. لاحقاً، تولت روسيا استكمال المشروع، ليبدأ تشغيله التجاري رسمياً في عام 2011. وتُعد هذه المنشأة رمزاً مهماً للبرنامج النووي المدني، إلا أنها ظلت دائماً تحت مجهر المراقبة الدولية بسبب المخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن النوويين في منطقة تتسم بعدم الاستقرار.
التداعيات المحتملة لأي تسرب إشعاعي في المنطقة
إن استمرار استهداف البنية التحتية النووية يحمل في طياته مخاطر كارثية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. ففي حال حدوث تسرب إشعاعي نتيجة أي ضربة مباشرة للمفاعل الرئيسي، فإن التأثير لن يقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل سيمتد ليشمل الدول المجاورة، خاصة تلك المطلة على الخليج العربي. تعتمد العديد من دول المنطقة على مياه الخليج في محطات التحلية لتوفير مياه الشرب، وأي تلوث إشعاعي سيؤدي إلى أزمة إنسانية وبيئية غير مسبوقة. علاوة على ذلك، فإن التأثيرات الاقتصادية ستكون مدمرة على حركة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية التي تمر عبر هذه الممرات المائية الاستراتيجية.
دعوات أممية للالتزام بمبادئ السلامة النووية
لم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها، فقد تعرضت المحطة لثلاث ضربات سابقة، كان آخرها في 18 مارس الماضي، حيث أصابت قذيفة مبنى يبعد حوالي 350 متراً عن المفاعل الرئيسي ودمرته بالكامل، لحسن الحظ دون إحداث أضرار مباشرة في قلب المفاعل أو التسبب في تسرب إشعاعي. وأمام هذا المشهد المعقد، دعا المسؤول الأممي إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس العسكري لتفادي أي حادث نووي كارثي. وأعاد التذكير بأهمية الالتزام الصارم بمبادئ الوكالة الدولية السبعة لضمان السلامة والأمن النوويين أثناء النزاعات المسلحة. وكان غروسي قد حذر سابقاً أمام مجلس إدارة الوكالة في فيينا من أن التوترات العسكرية المتصاعدة تجعل من المنشآت النووية أهدافاً محتملة، مما يثير مخاوف دولية عميقة من أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كارثة تتجاوز الحدود الجغرافية وتترك ندوباً عميقة على البيئة والإنسانية لأجيال قادمة.


