يتميز الكاتب وحيد الغامدي ببصمته الخاصة في حضوره وكتاباته، وتلك اللطافة التي اكتسبها من إنسانية القرية التي نشأ فيها. يمكن وصفه بالكائن الجمالي حساً ومعنى، فهو صادق في مشاعره ودفاتره، كما هو في وطنيته وعروبته وإسلامه. في هذا الحوار، تتجلى نبضات من حياته وذكرياته، وتكشف عن رؤيته العميقة للعديد من القضايا الثقافية والاجتماعية، متجاوزة فتنة القول إلى سحر الأخلاق.
تطور المشهد الثقافي والانتقال إلى الإعلام الرقمي
تاريخياً، شهد المشهد الثقافي السعودي والعربي تحولات جذرية، حيث انتقل من المجالس الأدبية والصحف الورقية إلى الفضاء الرقمي المفتوح. في هذا السياق، برزت أسماء أدبية استطاعت أن تمزج بين أصالة الماضي، المتمثلة في حياة القرية وبساطتها، وبين تعقيدات الحاضر التكنولوجي. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في أدوات النشر، بل كان تغييراً في طبيعة المتلقي ونوعية المحتوى. وقد واجه الكتاب التقليديون تحديات كبيرة في التكيف مع هذه المتغيرات، مما جعل أصواتاً رصينة تبرز لتقييم هذا المشهد ونقده بموضوعية، بعيداً عن الانفعال أو الرفض المطلق لواقع بات يفرض نفسه بقوة.
ذكريات الطفولة وأطفال القرية كحمام زاجل
يؤمن الغامدي بأن لكل شخص من اسمه نصيب، وهو ما يلاحظه بشكل كبير في حياته. وعند الحديث عن ذكريات الطفولة الرمضانية، يقسمها إلى مرحلتين: مرحلة القرية ومرحلة الحارة. في كلتيهما، كان لرمضان دفئه الخاص ونكهته المميزة. تتحول الأزقة والبيوت إلى خلية نحل، ويصبح الأطفال نجوماً لتلك اللحظة الساحرة حين يتحولون إلى “حمام زاجل” بين البيوت، يحملون أصناف الطعام التي تبدعها الجارات، في مشهد تكافلي لا يُرى إلا في رمضان. ورغم مرور السنين، لا يزال الحنين إلى ذلك المكان يأسره ويدمع عينيه، مفتقداً في هذا الشهر الفضيل ذاته القديمة.
طقوس الصيام وكسر الروتين المعتاد
وعن عاداته الرمضانية، يتلخص رمضان بالنسبة له في تلك اللحظة الفاتنة قبيل المغرب، حيث يحرص على الهدوء التام، وإخفات الإضاءة، والامتناع عن الخروج من المنزل منذ العصر. ويرى أن تخصيص رمضان بالأطباق “الفرايحية” هو ميزة جميلة تكسر الروتين المعتاد، وهو بحد ذاته فضيلة. يتذكر بداياته مع الصيام في منتصف المرحلة الابتدائية، وكيف صام يوماً بلا سحور، بينما أفطر سراً في يوم آخر بسبب العطش الشديد بعد تناول طبق الفول. ويؤكد أنه لو عاش طفولته مع والدته لما سمحت له بالصيام المبكر، لكن للأقدار حكمة جعلته يعتاد الصيام عن أشياء أهم من الطعام.
بين الشعر وتغيرات الحياة
مع تقدم العمر، يرى أن تناقص عدد الأصدقاء هو من سنن الحياة نتيجة اختلاف الدروب والاهتمامات. أما علاقته بالشعر، فهو يعتبر نفسه “ابن الشعر”، لكنه تنكر له حين اتجه لكتابة المقالات، ويشعر أنه عوقب على ذلك. يتذكر بيتاً شعرياً كتبه في العشرين من عمره، وكأنه رسم به سيناريو مستقبله: “تمدّدتُ في عرض المسير يجرّني *** سرابٌ، وماضٍ عالقٌ بردائي”. وعلى المستوى العام، يبدي تفاؤله بالتغييرات الجيوسياسية في المنطقة والعالم، متمنياً على المستوى الشخصي نفحة من التغيير البسيط تعيد لروحه طاقتها.
تأثير الإعلام الجديد ورؤية الكاتب وحيد الغامدي
يحمل صعود منصات التواصل الاجتماعي تأثيراً بالغاً على المستويين الإقليمي والدولي، حيث أعادت هذه المنصات تشكيل الوعي الجمعي وأفرزت ظواهر جديدة. من هنا تبرز أهمية رؤية الكاتب وحيد الغامدي في تحليل ظاهرة ما يُعرف بـ “مسوقي الغثاء”. إن تأثير هؤلاء يتجاوز الحدود المحلية ليصبح ظاهرة عالمية تؤثر على جودة المحتوى الثقافي والفكري. وتكمن الأهمية في أن ترك هذا الفضاء دون توجيه قد يؤدي إلى تسطيح العقول، بينما التعامل معه بذكاء يمكن أن يحول هذه “السيولة” الرقمية إلى قوة ناعمة تخدم المجتمعات وتساهم في رفع مستوى الوعي بدلاً من الانحدار به.
مسوقو الغثاء كواقع لا يمكن تجاهله
فيما يخص علاقته بالإعلام الجديد، يكتفي الغامدي بالمتابعة ولا يرى من المناسب التواجد بكثرة. ويفرق بوضوح بين صناع المحتوى الحقيقيين ومسوقي الغثاء، مؤكداً أن الأخيرين أصبحوا واقعاً وظاهرة عالمية. ويشير إلى أن هذه هي قواعد السوق منذ الأزل، فالعمق لم يكن يوماً سوى بضاعة القلة. ويقترح بدلاً من الخصومة المطلقة مع هذا السوق أو تجاهله، ضرورة ضبط هذا “الغثاء” واستثماره عبر توجيه الفاعلين فيه لإعادة البرمجة باتجاهات إيجابية، مستفيدين من مفهوم “السيولة” لإفادة المشهد العام.


