وجه سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، رسالة هامة لعموم المسلمين في شتى بقاع الأرض، يحثهم فيها على ضرورة الاجتهاد في العبادات واغتنام فضل عشر ذي الحجة. وتأتي هذه الدعوة الكريمة لتذكير المؤمنين بأهمية هذه الأيام المباركة التي تتضاعف فيها الأجور، وتُفتح فيها أبواب الرحمة والمغفرة، مما يجعلها فرصة ذهبية للتقرب إلى الله عز وجل بصالح الأعمال.
الجذور التاريخية والمكانة الروحية لموسم الحج وأيامه المباركة
تكتسب هذه الأيام أهميتها من ارتباطها الوثيق بالركن الخامس من أركان الإسلام، وهو فريضة الحج. تاريخياً، تمثل هذه الأيام امتداداً لنداء نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين أمره الله بتأذين الناس بالحج. وقد عظم الله سبحانه وتعالى هذه الأيام في القرآن الكريم حين أقسم بها في سورة الفجر قائلاً: «وليالٍ عشر»، وهو ما أجمع المفسرون على أنها العشر الأوائل من شهر ذي الحجة. إن السياق التاريخي والروحي لهذه الأيام يجعلها محطة سنوية تتجدد فيها دماء الإيمان في قلوب المسلمين، حيث تتجسد فيها أسمى معاني التوحيد والتضحية والاستسلام لأمر الله الخالق.
كيفية اغتنام فضل عشر ذي الحجة بالأعمال الصالحة
أوضح سماحة المفتي في كلمته التوجيهية أن الأحاديث النبوية الشريفة قد تضافرت لتؤكد أن العمل الصالح في هذه الأيام هو الأحب إلى الله مقارنة بغيرها من أيام العام. واستشهد بحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». وبيّن سماحته أن المسلم العاقل ينبغي له الإكثار من الطاعات المتنوعة، مع الحرص الشديد على أداء الفرائض في أوقاتها واجتناب المعاصي والذنوب.
وأشار الشيخ الفوزان إلى أهمية التزود بالنوافل، مثل أداء الصلوات المسنونة، وإخراج الصدقات، وصيام الأيام المتاحة، ولا سيما الإكثار من ذكر الله تعالى من تهليل وتحميد وتكبير. كما خص بالذكر صيام يوم عرفة لغير الحاج، مؤكداً على فضله العظيم الذي ورد في السنة النبوية بأنه يكفر ذنوب السنة الماضية والسنة الباقية، مما يجعله منحة إلهية عظيمة لتطهير النفوس.
الأثر الإيماني والاجتماعي لهذه الأيام على الأمة الإسلامية
لا يقتصر تأثير هذه الأيام المباركة على الفرد فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع المحلي والإقليمي والعالم الإسلامي بأسره. فعلى الصعيد المحلي، تعزز هذه الأيام من قيم التكافل الاجتماعي من خلال الصدقات وتوزيع لحوم الأضاحي، مما يقوي الروابط بين أفراد المجتمع ويغيث المحتاجين. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن توحيد مشاعر المسلمين حول العالم في هذه الأيام، سواء من خلال أداء مناسك الحج في مكة المكرمة أو من خلال مشاركة الحجاج مشاعرهم بالصيام والدعاء في مختلف البلدان، يخلق حالة من التلاحم والوحدة الإسلامية الفريدة. هذا التكاتف الروحي يبرز قوة الأمة الإسلامية وتماسكها، ويعكس صورة ناصعة لقيم التسامح والسلام التي يحملها الإسلام للعالم أجمع.
أحكام الأضحية والدعاء للأمة
تطرق سماحة المفتي العام إلى سنة الأضحية، موضحاً الأحكام المتعلقة بها. وأكد أن من أراد أن يضحي، فإنه يُسن له الإمساك عن أخذ شيء من شعره أو أظفاره أو بشرته منذ ثبوت رؤية هلال شهر ذي الحجة وحتى يقوم بذبح أضحيته. واستدل على ذلك بحديث أم سلمة رضي الله عنها: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشرته شيئاً». وشدد على فضل هذه الشعيرة العظيمة، مقتدين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكبشين أملحين أقرنين.
وفي ختام كلمته التوجيهية، رفع سماحة المفتي أكف الضراعة سائلاً المولى عز وجل أن يوفق المسلمين جميعاً لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، وأن يديم نعمة الأمن والأمان، ويحفظ البلاد وولاة الأمر، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى.


