
دخلت المواجهات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران يومها الحادي عشر، مسجلة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق خلال الساعات القليلة الماضية. وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع إعلان واشنطن استعدادها لتنفيذ أعنف موجات القصف الجوي والبحري منذ اندلاع الأزمة، في وقت تؤكد فيه القيادة العسكرية الأمريكية أن القدرات الصاروخية الإيرانية تشهد تراجعاً تدريجياً وملموساً تحت وطأة العمليات المتواصلة.
السياق التاريخي وجذور التوتر الممتد
لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية، والتي اتسمت بالتوتر منذ عقود. وقد تفاقمت هذه التوترات بشكل ملحوظ منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عام 2018 وتطبيق سياسة “الضغوط القصوى”. ومنذ ذلك الحين، شهدت منطقة الشرق الأوسط حرب ظل مستمرة شملت هجمات سيبرانية، واستهدافاً للسفن التجارية، واشتباكات غير مباشرة عبر وكلاء في المنطقة، وصولاً إلى هذه المواجهة العسكرية المباشرة التي تعد من بين الأخطر منذ سنوات.
تكثيف الضربات الأمريكية واستهداف البنية التحتية
على الصعيد الميداني، تقود الولايات المتحدة حملة عسكرية واسعة النطاق تستهدف شل القدرات العسكرية الإيرانية. وفي هذا السياق، صرح وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، بأن الساعات الحالية تشهد الكثافة النيرانية الأعلى منذ بدء العمليات. وأوضح أن القوات الأمريكية تنفذ أعداداً غير مسبوقة من الطلعات الجوية والضربات الدقيقة، مدعومة بمنظومات استخباراتية متطورة.
وتركز هذه الضربات بشكل أساسي على تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وإضعاف قاعدة الصناعات الدفاعية. كما أشار هيغسيث إلى أن التركيز ينصب أيضاً على تحييد القدرات البحرية الإيرانية، بما يشمل تدمير السفن الحربية ومنشآت تصنيع الأسلحة، لمنع طهران من العمل بحرية في المياه الإقليمية. وقد انعكس هذا الضغط العسكري على وتيرة الهجمات الإيرانية، حيث سجلت الساعات الأربع والعشرون الماضية إطلاق أقل عدد من الصواريخ الإيرانية منذ بداية الحرب.
مضيق هرمز وأسواق النفط العالمية
في مقابل التفوق الجوي الأمريكي، تلعب طهران بورقة الاقتصاد العالمي من خلال التلويح بإغلاق مضيق هرمز. يكتسب هذا المضيق أهمية استراتيجية قصوى، حيث يمر عبره نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي يومياً. أي تهديد لهذا الشريان الحيوي يضع اقتصادات العالم أمام اختبار صعب وينذر بأزمة طاقة عالمية قد ترفع معدلات التضخم.
ومع ذلك، نجحت التصريحات السياسية في كبح جماح الأسواق؛ حيث ساهمت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي ألمح فيها إلى احتمال انتهاء الحرب قريباً، في تبديد موجة صعود أسعار النفط، مما أعطى الأسواق المالية جرعة من الطمأنينة المؤقتة بأن الإمدادات لن تنقطع لفترة طويلة.
التداعيات الإقليمية والدولية ومستقبل الصراع
سياسياً، تبدو المواقف متناقضة بشدة. فبينما تتوعد واشنطن بضربات قاصمة إذا تعرضت إمدادات الطاقة للخطر، يعلن الحرس الثوري الإيراني أن طهران هي من ستحدد موعد وكيفية نهاية هذه الحرب، مشدداً على منع تصدير النفط من المنطقة إذا استمرت الهجمات.
أمام هذا المشهد المعقد، تتسارع التحركات الدبلوماسية الدولية والإقليمية لاحتواء الموقف. وتدرك القوى الكبرى أن نافذة العمليات العسكرية يجب أن تكون محدودة زمنياً، حيث تتزايد الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار قبل أن تنزلق الأمور نحو ركود اقتصادي عالمي شامل نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة المتقلبة.


