مطاردة العقد: من 11 سبتمبر إلى أبوت آباد
لم تكن عملية ملاحقة أسامة بن لادن مجرد مهمة عسكرية، بل كانت فصلاً محورياً في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، بدأت شرارته مع الهجمات المروعة في 11 سبتمبر 2001. تلك الهجمات، التي تبناها تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن، لم تستهدف برجي التجارة العالميين والبنتاغون فحسب، بل استهدفت رمزية القوة الأمريكية، مُخلفةً آلاف الضحايا وصدمة عالمية. على إثر ذلك، أطلقت واشنطن ما عُرف بـ “الحرب على الإرهاب”، والتي بدأت بغزو أفغانستان للإطاحة بنظام طالبان الذي آوى قادة القاعدة. وعلى مدى عقد كامل، تحول بن لادن إلى الشبح الأكثر طلباً في العالم، حيث قادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جهوداً استخباراتية مضنية لتعقبه عبر الجبال والمناطق القبلية الوعرة.
جاءت نقطة التحول بعد سنوات من المعلومات المضللة والطرق المسدودة، عندما تمكنت الاستخبارات الأمريكية من تعقب أحد المراسيل الموثوقين لبن لادن. قادتهم الخيوط إلى مجمع سكني شديد التحصين في مدينة أبوت آباد الباكستانية، وهي مدينة هادئة تضم أكاديمية عسكرية مرموقة. لم يكن المجمع عادياً؛ فقد كان محاطاً بأسوار عالية وأسلاك شائكة، ويفتقر إلى أي اتصالات هاتفية أو إنترنت، مما أثار الشكوك حول هوية ساكنه الغامض. وبعد أشهر من المراقبة الدقيقة، تزايدت القناعة لدى الإدارة الأمريكية بأن الهدف الأهم في الحرب على الإرهاب يختبئ خلف تلك الجدران.
عملية رمح نبتون: تفاصيل المهمة الأكثر سرية
بناءً على المعلومات الاستخباراتية، أعطى الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، الضوء الأخضر لتنفيذ عملية “رمح نبتون” (Operation Neptune Spear) في 2 مايو 2011. كانت المهمة بالغة الخطورة والسرية، وأُوكلت إلى فريق من قوات النخبة البحرية الأمريكية (Navy SEALs). يكشف روبرت أونيل، أحد أعضاء الفريق الذي شارك في الغارة، أن دافعهم الأساسي كان تحقيق العدالة لضحايا 11 سبتمبر. ويقول: “لم تكن العملية بحثاً عن مجد أو مكافأة، بل كانت ثأراً للضحايا”.
خضع الفريق لتدريبات مكثفة على نسخة طبق الأصل من المجمع تم بناؤها في الولايات المتحدة، حيث تمت محاكاة كل السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك أسوأها كسقوط إحدى المروحيات، وهو ما حدث بالفعل أثناء التنفيذ. استخدمت في العملية مروحيات متطورة من طراز “بلاك هوك” تم تعديلها بتقنيات شبحية لتقليل الضوضاء وتجنب الرادارات الباكستانية. يؤكد أونيل أن الفريق تعامل مع المهمة على أنها “ذهاب بلا عودة”، حيث كانت احتمالات النجاة ضئيلة، مضيفاً: “لم نكن خائفين من الموت، بل مستعدين له”.
كواليس مقتل بن لادن في 9 دقائق حاسمة
بعد انطلاق المروحيات من قاعدة في جلال آباد بأفغانستان، واختراقها المجال الجوي الباكستاني في ظلام دامس، بدأت اللحظات الحاسمة. استغرقت العملية داخل المجمع حوالي 9 دقائق فقط منذ هبوط القوات. بعد تحطم إحدى المروحيات، اقتحم الفريق المبنى وسط توقعات بوجود مقاومة عنيفة أو أفخاخ متفجرة. بعد اشتباك قصير مع نجل بن لادن، واصل الفريق طريقه إلى الطابق العلوي حيث كان زعيم القاعدة يقف خلف زوجته. يروي أونيل أنه تعرف على بن لادن فوراً، وأطلق عليه ثلاث رصاصات في الرأس لضمان عدم تمكنه من تفجير حزام ناسف. بعد تأكيد مقتله عبر كلمة السر “جيرونيمو”، بدأ الفريق بجمع الوثائق وأجهزة الحاسوب التي شكلت كنزاً استخباراتياً، قبل أن يقوموا بتدمير المروحية المتعطلة لمحو أي أثر للتكنولوجيا السرية المستخدمة.
ما بعد الغارة: تداعيات هزت العالم
شكل مقتل بن لادن انتصاراً رمزياً هائلاً للولايات المتحدة، وأنهى أطول مطاردة في تاريخها. على الصعيد الدولي، أحدثت العملية هزة في العلاقات الأمريكية الباكستانية، حيث أثارت تساؤلات حول كيفية إقامة بن لادن لسنوات في مدينة عسكرية دون علم السلطات المحلية. أما بالنسبة لتنظيم القاعدة، فقد كان مقتله ضربة قاصمة أدت إلى إضعاف قيادته المركزية وتشتيت فروعه، مما مهد الطريق لظهور جماعات أخرى أكثر تطرفاً. وبالنسبة لأونيل، تبقى رحلة العودة التي استغرقت 90 دقيقة فوق الأراضي الباكستانية هي أخطر مراحل العملية، حيث كانت المروحيات معرضة للاعتراض في أي لحظة. ويختتم شهادته معرباً عن ندمه الوحيد على دفن جثة بن لادن في البحر، معتبراً أن ذلك حرم الأمريكيين من “محاسبة رمزية علنية” لمن تسبب في مأساتهم.


