في خطوة سياسية ذات دلالات عميقة، صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح المضي قدماً في مشروع قرار تشريعي يهدف إلى إجبار الرئيس دونالد ترمب على إنهاء حرب ترمب ضد إيران، وذلك ما لم يحصل على تفويض رسمي وصريح من الكونغرس للاستمرار في تلك العمليات العسكرية. وجاء هذا التصويت الحاسم بنتيجة 50 صوتاً مقابل 47 صوتاً، ليمثل أول نجاح يحققه المجلس في تمرير هذه الخطوة الإجرائية بعد سبع محاولات سابقة باءت بالفشل منذ اندلاع النزاع في شهر فبراير الماضي.
السياق التاريخي للتوترات وصلاحيات إعلان الحرب
لفهم أبعاد هذا القرار، يجب النظر إلى الجذور التاريخية للتوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والتي شهدت تصعيداً غير مسبوق خلال فترة إدارة ترمب. بدأت هذه المرحلة بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، وتطبيق سياسة الضغوط القصوى التي شملت عقوبات اقتصادية قاسية. تاريخياً، يمتلك الكونغرس الأمريكي وحده صلاحية إعلان الحرب بموجب الدستور، وقد سُنّ قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 لضمان عدم انخراط الرؤساء في نزاعات مسلحة طويلة الأمد دون موافقة السلطة التشريعية. هذا التعديل الأخير يعكس محاولة جادة من المشرعين لاستعادة دورهم الرقابي والدستوري في توجيه السياسة الخارجية وتجنب الانزلاق في صراعات غير محسوبة العواقب في منطقة الشرق الأوسط.
انشقاقات حزبية ومواقف المشرعين من حرب ترمب ضد إيران
شهدت جلسة التصويت تطوراً لافتاً تمثل في انشقاق أربعة أعضاء بارزين من الحزب الجمهوري وانضمامهم إلى الأغلبية الديمقراطية لدعم القرار. هذا التحول يعد مؤشراً واضحاً على تصاعد القلق داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن حرب ترمب ضد إيران وتداعياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. ومن أبرز الداعمين الجمهوريين للقرار السيناتور بيل كاسيدي، الذي خسر مؤخراً الانتخابات التمهيدية في ولاية لويزيانا بعد أن دعم ترمب منافسه. وفي منشور له عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أوضح كاسيدي أن الإدارة الأمريكية ووزارة الدفاع أبقتا الكونغرس في الظلام بشأن العملية العسكرية المعروفة باسم عملية الغضب الملحمي. وأضاف أن شريحة واسعة من سكان ولايته، بمن فيهم مؤيدون لترمب، يشعرون بقلق متزايد حيال استمرار هذه الحرب. وأكد أنه لا يمكن تبرير أي تفويض أو تمديد للعمليات العسكرية قبل أن تقدم الإدارة توضيحات كاملة وشفافة حول أهداف الحرب وإستراتيجيتها. كما صوّت لصالح القرار كل من ليزا موركوفسكي، وراند بول، وسوزان كولينز، بينما كان الديمقراطي الوحيد الرافض للمشروع هو جون فيترمان.
التداعيات المتوقعة والتأثير الإقليمي والدولي
من جهته، اعتبر زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، أن هذا التصويت يمثل اختراقاً حقيقياً لجدار الصمت الجمهوري تجاه ما وصفه بالحرب غير القانونية. وأشار شومر إلى أن الرئيس الأمريكي جرّ البلاد إلى صراع مكلف وفوضوي من دون خطة واضحة أو أهداف محددة أو غطاء قانوني، موضحاً أن الضغوط الديمقراطية بدأت تؤتي ثمارها في التأثير على مواقف بعض الجمهوريين. وفي السياق ذاته، شدد السيناتور تيم كاين، الراعي الرئيسي لمشروع القرار، على ضرورة أن يناقش الكونغرس بشكل صريح مبررات الحرب وتكاليفها الباهظة على دافعي الضرائب الأمريكيين، مؤكداً أن هذا النقاش كان ينبغي أن يسبق بدء أي عمليات عسكرية.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل هذا التحرك التشريعي أهمية كبرى. فمن شأن كبح العمليات العسكرية الأمريكية أن يبعث برسائل تهدئة لأسواق الطاقة العالمية التي تتأثر بشدة بأي توترات في الخليج العربي ومضيق هرمز. كما أن تقليص احتمالات التصعيد العسكري المباشر يمنح حلفاء واشنطن مساحة أكبر للتحرك الدبلوماسي. ورغم أن هذا التصويت يُعد خطوة أولى فقط نحو الإقرار النهائي، ويتوقع المراقبون أن يستخدم ترمب حق النقض الرئاسي (الفيتو) إذا نجح المشروع في المرور عبر مجلسي الشيوخ والنواب، إلا أن الديمقراطيين يرون في طرح القرار انتصاراً سياسياً يهدف إلى إجبار الجمهوريين على إعلان موقف واضح من حرب تواجه انتقادات متزايدة داخلياً وخارجياً.


