لماذا يغيب وزير خارجية أمريكا عن مفاوضات الملف الإيراني؟
يثير غياب وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن طاولة المفاوضات المتعلقة بالملف الإيراني تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية والدبلوماسية. في وقت تُعتبر فيه هذه المحادثات من أبرز أولويات السياسة الخارجية لواشنطن، فإن ابتعاد كبير الدبلوماسيين الأمريكيين يفتح الباب أمام تحليلات متعددة، تتراوح بين تغيير جذري في أسلوب الإدارة الأمريكية وتكتيكات سياسية داخلية معقدة. فهل انتهى الدور التقليدي لوزارة الخارجية في حسم الملفات الكبرى، أم أن هذا الغياب هو خيار استراتيجي محسوب؟
دبلوماسية الدائرة المقربة: نهج غير تقليدي
تشير بعض التحليلات، مثل ما أوردته مجلة “نيوزويك”، إلى أن هذا الغياب يعكس أسلوب الرئيس دونالد ترامب “غير التقليدي” في الحكم، والذي يعتمد بشكل كبير على خلفيته في عالم الأعمال. يميل ترامب إلى “خصخصة” السياسة الخارجية، وإسناد الملفات الحساسة إلى شخصيات يثق بها بشكل شخصي، مثل جاريد كوشنر، بدلاً من الاعتماد على المسارات البيروقراطية المعتادة. هذا النهج لا يقتصر على مفاوضات الملف الإيراني، بل يمتد ليشمل ملفات أخرى شائكة في أوكرانيا والشرق الأوسط وروسيا، حيث يتولى المقربون من الرئيس زمام المبادرة، مما يهمش دور وزير الخارجية التقليدي.
أهمية مفاوضات الملف الإيراني في سياقها التاريخي
لفهم أبعاد هذا الغياب، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية-الإيرانية. تمثل هذه المفاوضات أحدث فصول مسلسل طويل من التوتر بدأ منذ عقود، وبلغ ذروته مع إطلاق البرنامج النووي الإيراني. وقد أدت الجهود الدبلوماسية الدولية في عام 2015 إلى توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة بالاتفاق النووي، والتي هدفت إلى تقييد قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 أعاد المنطقة إلى حافة المواجهة. واليوم، لا تقتصر أهمية هذه المحادثات على منع انتشار السلاح النووي فحسب، بل تمتد لتشمل استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وأسواق الطاقة العالمية، ومصداقية الدبلوماسية الدولية. أي نجاح أو فشل في هذا المسار سيكون له تداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق.
حسابات 2028: الطموحات الرئاسية تلقي بظلالها
خلف الكواليس الدبلوماسية، تبرز حسابات سياسية داخلية قد تكون المحرك الرئيسي لغياب روبيو. يُنظر إلى وزير الخارجية على أنه أحد الطامحين لخوض السباق الرئاسي في عام 2028، ويجد نفسه في منافسة محتملة مع غريمه داخل الإدارة، نائب الرئيس جيه دي فانس. ووفقاً لصحيفة “فايننشال تايمز”، يبدو أن روبيو يتبع استراتيجية “النأي بالنفس المدروس” عن أزمات الشرق الأوسط المتقلبة. فإذا نجحت المفاوضات التي يقودها فانس، فسيكون ذلك انتصاراً للإدارة ككل، أما إذا فشلت، فسيتحمل نائب الرئيس العبء السياسي وحده. هذا السيناريو يمثل وضعاً مربحاً لروبيو، حيث يتيح له تجنب المخاطر السياسية الكبيرة المرتبطة بالملف الإيراني. ويفسر هذا الأمر تركيزه على ملفات يعتبرها أكثر أماناً في أمريكا اللاتينية، مثل فنزويلا وكوبا، والتي ساهمت في رفع أسهمه بشكل كبير في استطلاعات الرأي لدى المحافظين من 3% إلى 35%.


