مرحلة جديدة من الغموض في التعامل مع طهران
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية ودخول الصراع مرحلة تتسم بالغموض الشديد، كشفت تقارير إعلامية أن الإدارة الأمريكية تدرس حالياً مجموعة من الخيارات الاستراتيجية للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني. من بين هذه الخيارات، يبرز احتمال تنفيذ عملية عسكرية برية تهدف إلى تأمين المواد النووية الإيرانية أو إخراجها من البلاد. ووفقاً لما نقلته شبكة “سي بي إس نيوز” (CBS News) عن مصادر مطلعة، فإنه لم يُتخذ أي قرار نهائي حتى اللحظة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولا يزال توقيت أي عملية محتملة غير واضح المعالم.
وأوضحت المصادر أن خطط الإدارة الأمريكية تركز بشكل كبير على إمكانية نشر قوات من “قيادة العمليات الخاصة المشتركة”، وهي وحدة عسكرية نخبوية تُكلف عادة بتنفيذ المهام الأكثر تعقيداً وحساسية، لا سيما تلك المرتبطة بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وفي هذا السياق، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بأن خيار استعادة مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب “مطروح على الطاولة”، مشيرة إلى أن التحضير لمثل هذه العمليات المعقدة يقع على عاتق وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، التي لم تصدر تعليقاً رسمياً فورياً حول هذه الأنباء.
السياق التاريخي لأزمة البرنامج النووي الإيراني
لفهم أبعاد هذه التطورات، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأزمة. تعود جذور التوتر الحالي إلى عام 2018 عندما أعلنت الإدارة الأمريكية انسحابها الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) الموقع عام 2015. منذ ذلك الحين، تبنت واشنطن سياسة “الضغوط القصوى”، مما دفع طهران تدريجياً إلى التخلي عن التزاماتها وتقليص تعاونها مع المفتشين الدوليين. وقد أدى هذا التصعيد إلى رفع إيران لنسب تخصيب اليورانيوم لتصل إلى 60%، وهي نسبة قريبة جداً من مستوى 90% المطلوب لتصنيع أسلحة نووية، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً ودفع واشنطن وحلفاءها للبحث عن خيارات بديلة لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
تعقيدات السيطرة على المواد النووية
تُعد أي عملية عسكرية للسيطرة على المواد النووية محفوفة بالمخاطر والتحديات التقنية. بحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خزنت إيران حتى الصيف الماضي نحو 972 رطلاً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وأكد المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، أن التعامل مع غاز سداسي فلوريد اليورانيوم عالي التخصيب يُعد “صعباً للغاية”، موضحاً أن تنفيذ مهمة من هذا النوع يتطلب قدرات عسكرية وتقنية هائلة. وأضاف غروسي أن إيران تمتلك قاعدة صناعية واسعة، مشدداً على أهمية استئناف المفاوضات الدبلوماسية بعد انتهاء أي تصعيد.
من جهة أخرى، أشار ديفيد ألبرايت، الخبير النووي ورئيس معهد العلوم والأمن الدولي، إلى أن صور الأقمار الاصطناعية تظهر قيام إيران بتغطية مداخل الأنفاق في أحد المواقع النووية بكميات كبيرة من التراب. هذا الإجراء التمويهي يعني أن أي عملية برية للوصول إلى اليورانيوم ستستغرق وقتاً أطول وتواجه عقبات لوجستية كبرى. كما أوضح ألبرايت أن وزن الأسطوانات السميكة التي تحوي اليورانيوم قد يصل إلى 100 رطل للأسطوانة الواحدة التي تتسع لـ 25 كيلوغراماً، بسبب الغلاف الصلب المانع للتسرب.
التأثير المتوقع والتداعيات الإقليمية والدولية
إن مجرد التلويح بعملية برية أمريكية داخل الأراضي الإيرانية يحمل تداعيات خطيرة على مستويات عدة. محلياً، قد يؤدي ذلك إلى تعبئة شاملة داخل إيران وتصعيد أمني غير مسبوق. إقليمياً، من المتوقع أن تشتعل جبهات متعددة في الشرق الأوسط، مما يهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. دولياً، سيؤدي أي عمل عسكري مباشر إلى تقلبات حادة في أسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن احتمالية تعقيد جهود معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
تقييمات الاستخبارات والخطوات القادمة
رغم هذه التحضيرات، قدرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية في الربيع الماضي أن إيران لا تسعى حالياً لتطوير سلاح نووي، وهو ما يتوافق مع التصريحات الرسمية لطهران بأن برنامجها مخصص للأغراض السلمية. ومع ذلك، فإن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% يفوق بكثير الاحتياجات المدنية، مما يجعل إيران الدولة الوحيدة غير المالكة لسلاح نووي التي تصل إلى هذا المستوى. وفي ظل تقارير سابقة لشبكة “سي بي إس” تفيد بأن البنتاغون أعد خيارات للتعامل مع اختفاء نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بعد ضربات سابقة، يبقى الوضع مفتوحاً على كافة الاحتمالات، وسط مساعٍ أمريكية مستمرة لوقف التخصيب بشكل كامل.


