في تطور لافت يسلط الضوء على التكلفة الباهظة للنزاعات المسلحة الحديثة، كشفت تقارير صحفية أمريكية عن أرقام صادمة تتعلق بحجم الإنفاق العسكري في الأيام الأولى من العمليات العسكرية ضد إيران. فقد أفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد استهلكت ما يُقدر بنحو 5.6 مليارات دولار من الذخائر المتطورة خلال أول 48 ساعة فقط من بدء العمليات. هذا الاستهلاك السريع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة مخزون الذخائر الأمريكية على الصمود في وجه حرب طويلة الأمد.
استهلاك غير مسبوق للذخائر الدقيقة
نقلت الصحيفة عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين مطلعين تأكيدهم أنه تم إبلاغ الكونغرس الأمريكي بهذه التقديرات المالية الضخمة خلال جلسة إحاطة سرية عُقدت مؤخراً. وقد أثار هذا التقرير موجة من القلق والتساؤلات المتزايدة بين عدد كبير من المشرعين الأمريكيين حول الوتيرة المتسارعة لاستهلاك الذخائر الدقيقة والأسلحة المتطورة لدى الجيش الأمريكي. ويرى بعض أعضاء الكونغرس أن استمرار العمليات العسكرية بهذه الكثافة والوتيرة العالية قد يؤدي إلى استنزاف سريع وخطير لمخزونات الأسلحة الاستراتيجية المتقدمة.
السياق التاريخي وتكلفة التكنولوجيا العسكرية الحديثة
تاريخياً، اعتمدت العقيدة العسكرية الأمريكية منذ حرب الخليج الثانية في أوائل التسعينيات على التفوق الجوي واستخدام الأسلحة الذكية والذخائر الموجهة بدقة (PGMs) لتقليل الخسائر البشرية وضمان تدمير الأهداف الاستراتيجية بكفاءة. ومع ذلك، فإن هذه التكنولوجيا تأتي بتكلفة مالية وزمنية باهظة. فالصواريخ الجوالة مثل “توماهوك” والقنابل الموجهة بالليزر أو بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) تتطلب مواد نادرة وتكنولوجيا معقدة، مما يجعل عملية إنتاجها بطيئة ومكلفة للغاية. وبالتالي، فإن تعويض ما يتم استهلاكه في أيام قليلة من القتال المكثف قد يستغرق أشهراً أو حتى سنوات من العمل المتواصل في مصانع السلاح الأمريكية، مما يضع ضغوطاً هائلة على المجمع الصناعي العسكري.
التداعيات الاستراتيجية على الجاهزية العسكرية العالمية
لا تقتصر تداعيات هذا الاستنزاف السريع على مسرح العمليات في الشرق الأوسط فحسب، بل تمتد لتشمل التأثير المتوقع على النفوذ الأمريكي دولياً. تشير المخاوف داخل الأوساط التشريعية والعسكرية في واشنطن إلى أن الاعتماد المكثف على الذخائر عالية الدقة قد يضغط بشدة على مخزون الذخائر الأمريكية الاستراتيجي. هذا النقص المحتمل ينعكس سلباً على مستوى الجاهزية العسكرية الأمريكية للتعامل مع أي أزمات أو صراعات أخرى قد تندلع فجأة في مناطق حيوية أخرى من العالم، مثل منطقة المحيط الهادئ الهندي أو أوروبا الشرقية. إن الحفاظ على توازن الردع العالمي يتطلب احتياطيات ضخمة من الأسلحة، وأي خلل في هذا المخزون قد يغري قوى دولية أخرى باختبار الخطوط الحمراء الأمريكية.
تحركات الإدارة الأمريكية لتعزيز الميزانية الدفاعية
في ظل هذا الاستنزاف السريع والتحديات اللوجستية، أفاد المسؤولون بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تستعد للتحرك العاجل لاحتواء الموقف. من المتوقع أن تقدم الإدارة طلب تمويل دفاعي إضافي طارئ إلى الكونغرس خلال الأيام القليلة القادمة، بهدف دعم استمرار العمليات العسكرية وتأمين خطوط الإمداد. وتشير التوقعات إلى أن قيمة هذه الحزمة التمويلية الجديدة قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات. تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى تغطية التكاليف الباهظة للحرب الجارية، والأهم من ذلك، تسريع عجلة الإنتاج الحربي لتعزيز المخزونات العسكرية الأمريكية وضمان عدم تضرر الأمن القومي الأمريكي على المدى الطويل.


