اعتبرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في تحليل حديث لها أن الولايات المتحدة ربما تكون قد فقدت جزءاً كبيراً من أوراق ضغطها في مفاوضات حرب أوكرانيا. فبعد مرور نحو عام على ما عُرف بـ “قمة ألاسكا” والمسارات الدبلوماسية التي جمعت بين مسؤولين من إدارتي الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، يبدو أن موسكو لم تعد ترى في المسار الأمريكي مدخلاً مضموناً لانتزاع تنازلات من كييف. في الوقت ذاته، باتت أوكرانيا أكثر جرأة في توجيه الانتقادات للوساطة الأمريكية، وأكثر قدرة على تقليص اعتمادها الكلي على واشنطن.
السياق التاريخي والتحولات في مفاوضات حرب أوكرانيا
لفهم هذا التراجع في النفوذ الأمريكي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. فمنذ اندلاع الأزمة في عام 2014 وضم روسيا لشبه جزيرة القرم، سعت واشنطن لتكون اللاعب الأبرز في توجيه دفة الصراع، تارة عبر العقوبات وتارة عبر القنوات الدبلوماسية الخلفية. ومع تصاعد وتيرة الصراع وتحوله إلى حرب شاملة، حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إيجاد صيغة توازن تمنع التمدد الروسي دون الانزلاق إلى صدام مباشر. إلا أن التعقيدات الميدانية والتمسك الروسي المطلق بالسيطرة على إقليم الدونباس، جعلت من أي محاولات للتهدئة تصطدم بحائط مسدود، مما مهد الطريق لتغيرات جذرية في هيكلية التفاوض.
“روح أنكوريدج” ونتائج الدبلوماسية المحدودة
في إشارة إلى هذا الانسداد، نقلت المجلة عن يوري أوشاكوف، أحد كبار مسؤولي السياسة الخارجية الروسية، نفيه التام لمعرفة أي شيء عما يسمى بـ «روح أنكوريدج» (أكبر مدن ولاية آلاسكا)، مؤكداً أنه لم يستخدم هذه العبارة إطلاقاً. هذا التصريح يعكس بوضوح تراجع الحماسة الروسية للمسار التفاوضي الذي قادته واشنطن أولاً عبر المبعوث الأمريكي ستيف بيغون. ورغم محاولات الكرملين استمالة الفريق الأمريكي، حيث سافر بيغون إلى موسكو 6 مرات للقاء بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، وإيفاد موسكو لرجل الأعمال كيريل ديميترييف لبحث الشق الاقتصادي لأي صفقة محتملة، إلا أن كل هذا الحراك انتهى بنتيجة محدودة. فروسيا لم تتراجع عن مطلبها بالسيطرة الكاملة على الدونباس، وواشنطن لم تستطع، أو لم تشأ، دفع كييف للتخلي عنه.
تداعيات المشهد وتأثيره الإقليمي والدولي
إن أهمية هذا التحول وتأثيره المتوقع يتجاوز الحدود المحلية ليصل إلى مستويات إقليمية ودولية غير مسبوقة. فعلى الصعيد الإقليمي، أدى تراجع الدور الأمريكي إلى إجبار القارة الأوروبية على تحمل مسؤوليات أمنية واقتصادية ضخمة لحماية حدودها الشرقية. أما دولياً، فإن هذا المشهد يرسل إشارات واضحة حول تغير موازين القوى الدبلوماسية، حيث لم تعد الولايات المتحدة الوسيط الأوحد القادر على فرض شروطه، مما يفتح الباب أمام قوى أخرى لمحاولة ملء الفراغ السياسي، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
استقلالية كييف وتراجع الاعتماد على واشنطن
في ظل هذه المعطيات، كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب يصور روسيا كالطرف الأقوى، محذراً الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن بلاده لا تملك «الأوراق» الكافية، وهو ما أيده نائبه جي دي فانس بتوقعه خسارة كييف للدونباس. لكن «فورين بوليسي» تؤكد أن هذا التقدير لم يتحقق بالكامل؛ فروسيا لم تحرز مكاسب واسعة في الدونباس بل خسرت أراضي في مناطق أخرى. في المقابل، تراجعت قدرة واشنطن على الضغط على أوكرانيا. فقد زادت كييف من ثقتها بنفسها، ووسعت إنتاجها المحلي من الأسلحة، خصوصاً الطائرات المسيّرة الانقضاضية والروبوتات الأرضية. وبفضل هذه التكنولوجيا، باتت أوكرانيا تكبد القوات الروسية خسائر بشرية تفوق قدرة موسكو على تعويضها، وتشن هجمات دقيقة على منشآت النفط الروسية، مما يضغط بشدة على اقتصاد يعتمد أساساً على الطاقة.
أوروبا تبحث عن دور في مفاوضات حرب أوكرانيا
هذا الاستقلال الميداني جعل كييف أكثر علنية في تبرمها من واشنطن، حيث نقلت المجلة عن زيلينسكي قوله إن المفاوضين الأمريكيين «لم يعودوا يجدون وقتاً لأوكرانيا». ومع خفض المساعدات الأمريكية، تدخلت الدول الأوروبية لتعويض النقص، حيث أدى تراجع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن معارضته إلى فتح الطريق أمام حزمة مساعدات أوروبية ضخمة بلغت 104 مليارات دولار لكييف.
ومع تراجع الثقة بالمسار الأمريكي، بدأت كييف وموسكو تبديان انفتاحاً على دور أوروبي أكبر. فقد ناقش زيلينسكي مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إمكانية تعيين مبعوث يمثل القارة في المفاوضات، طارحاً أسماء مثل المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل ورئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراغي. من جهته، اقترح بوتين المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، وهو ما رفضته أوروبا. ورغم هذا الحراك، يشير الخبراء، ومنهم بيتر سليزكين من مركز ستيمسون، إلى أن أوروبا لا تزال تفتقر إلى “رسالة موحدة”؛ فرغم امتلاكها للمال والدافع، إلا أنها منقسمة بين تشدد دول البلطيق وحذر عواصم أخرى تميل للمرونة، مما يجعل وراثتها للدور الأمريكي تحدياً معقداً.


