تتواصل التوترات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط لتسجل فصلاً جديداً من الصراع، حيث أبلغت الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بأن القنوات الدبلوماسية والاتصالات مع طهران قد وصلت إلى طريق مسدود. يأتي هذا التطور الخطير في ظل استمرار التصعيد ضد إيران، حيث تستعد واشنطن وتل أبيب لتوسيع نطاق الضربات العسكرية. وقد أفادت صحيفة “يسرائيل هيوم” بأن هذا الانسداد الدبلوماسي يمهد لمرحلة جديدة من المواجهات المباشرة التي قد تغير خريطة النفوذ في المنطقة.
وفي سياق العمليات الميدانية، تحدثت مصادر إسرائيلية عن سقوط أجزاء من صاروخ إيراني في منطقة كريات يام بخليج حيفا، بالإضافة إلى تناثر شظايا في سبعة مواقع مختلفة في حيفا وضواحيها. وعلى الجانب الآخر، أكدت تقارير إيرانية سماع دوي انفجارات عنيفة في مدن رئيسية مثل شيراز، وتبريز، وزنجان، وقزوين. كما أظهرت صور متداولة انفجارات في محافظة البرز شمال غربي البلاد، شملت مناطق كرج ومعشور وهشتغرد، تزامناً مع تحليق مكثف للمقاتلات الحربية في سماء العاصمة طهران ومدن أخرى.
جذور التوتر ومسار التصعيد ضد إيران عبر العقود
لم يكن التصعيد ضد إيران وليد اللحظة، بل هو امتداد لعقود من التوتر الجيوسياسي بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. منذ أزمة الرهائن في عام 1979، مروراً بتأسيس الفصائل المسلحة في المنطقة، وصولاً إلى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في عام 2018، اتسمت العلاقات بانعدام الثقة والعداء المستمر. وقد اعتمدت إسرائيل استراتيجية “المعركة بين الحروب” لاستهداف التمركزات الإيرانية في سوريا، بينما سعت واشنطن لفرض عقوبات اقتصادية خانقة للحد من قدرات طهران الصاروخية والنووية. هذا التراكم التاريخي للصراعات غير المباشرة هو ما أوصل المشهد الحالي إلى حافة الانفجار الشامل، حيث باتت الحلول الدبلوماسية شبه معدومة.
من جانبه، أوضح معهد دراسات الحرب الأمريكي أن القصف الأخير استهدف مستودعات ذخيرة ومركبات عسكرية، مشيراً إلى ضرب ثكنات تابعة للحرس الثوري الإيراني بالقرب من مطار مشهد. وفي المقابل، دوت صفارات الإنذار مجدداً في كريات شمونة ومحيطها، مع تسجيل إصابات وأضرار في مواقع متفرقة بتل أبيب إثر سقوط شظايا صواريخ اعتراضية. وفي تحليل للموقف، اعتبرت صحيفة “بوليتيكو” أن الجيش الأمريكي سيواجه صعوبة بالغة في تدمير مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية المتبقي، نظراً لتخزينها في منشآت محصنة بعمق تحت الأرض. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي سابق قوله إن وزارة الدفاع (البنتاغون) تفتقر إلى الأهداف الاستراتيجية السهلة في إيران، مؤكداً أن الأهمية التكتيكية للضربات تتناقص تدريجياً.
التداعيات الإقليمية والدولية للمواجهة المفتوحة
إن انهيار قنوات الاتصال والتوجه نحو الخيار العسكري يحمل في طياته تداعيات كارثية تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد الإقليمي، يهدد هذا الصراع باشتعال جبهات متعددة، مما يضع دول الجوار في موقف أمني واقتصادي حرج، خاصة مع احتمالية تعطل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي، والذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار العمليات العسكرية قد يدفع قوى كبرى أخرى للتدخل لحماية مصالحها، مما يعقد المشهد الدبلوماسي العالمي. وترى أوساط سياسية أن هذا الضغط العسكري قد يمنح طهران ذريعة لرفض أي مفاوضات مستقبلية بشأن برنامجها النووي، مما يسرع من وتيرة سباق التسلح في الشرق الأوسط.
وفي خضم هذه التطورات، برزت أصوات إيرانية تدعو للتهدئة، حيث طرح وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، رؤية لإنهاء الحرب. ودعا ظريف بلاده إلى “إعلان النصر” وإبرام اتفاق شامل ينهي حالة العداء مع واشنطن، بما في ذلك قبول طهران بفرض قيود على برنامجها النووي. وفي مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، أشار ظريف إلى أن إيران صمدت رغم أسابيع من القصف المكثف ومحاولات إسقاط النظام واغتيال كبار مسؤوليها. وحذر من أن استمرار القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل لن يؤدي إلا إلى مزيد من تدمير البنية التحتية وإزهاق الأرواح، معتبراً أن واشنطن أثبتت أنها ليست جديرة بالثقة في المفاوضات، إلا أن الحل الدبلوماسي يبقى الخيار الأقل ضرراً لتجنيب المنطقة ويلات حرب شاملة.


