انطلاق الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد
تتجه أنظار العالم اليوم نحو العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تحتضن الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، في مسعى دولي حثيث لوقف التصعيد العسكري والتوصل إلى اتفاق دائم وشامل بين البلدين. تأتي هذه المحادثات في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد، حيث يسعى الطرفان إلى إيجاد أرضية مشتركة تنهي حالة التوتر المستمرة، وسط ترقب عالمي لنتائج هذه اللقاءات التي قد تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
غضب أمريكي وتلويح باستئناف التصعيد
على الرغم من المساعي الدبلوماسية، كشفت تسريبات أمريكية عن حالة من الاستياء داخل الإدارة الأمريكية. ونقل موقع «أكسيوس» عن مصدر أمريكي مطلع أن الرئيس دونالد ترمب يرغب، من الناحية النظرية، في التوصل إلى اتفاق، لكنه في الوقت ذاته يستعد لاحتمالية استئناف العمليات العسكرية. وأوضح المصدر أن سلوك المفاوضين الإيرانيين أثار غضب ترمب، معتبراً أنهم يضعونه في مواقف محرجة. وفي هذا السياق، أكد مسؤولون أمريكيون أن تمديد وقف إطلاق النار المؤقت لن يحدث ما لم يعد نائب الرئيس، جي دي فانس، الذي يترأس الوفد الأمريكي في باكستان، بإنجازات ملموسة وتقدم حقيقي على طاولة الحوار.
جذور التوتر وتاريخ معقد من المحادثات
لا يمكن فهم التعقيدات الحالية دون النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات بين واشنطن وطهران. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 وتطبيق سياسة الضغوط القصوى، شهدت العلاقات تدهوراً غير مسبوق. هذا الإرث من انعدام الثقة يلقي بظلاله الثقيلة على المحادثات الجارية. فبينما تسعى واشنطن إلى تحجيم النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، تبحث طهران عن ضمانات لعدم تكرار سيناريو الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي، فضلاً عن رفع العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل اقتصادها.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط طهران الاستراتيجية
في المقابل، يستعد الوفد الإيراني، الذي يقوده رئيس البرلمان محمد باقر قليباف، لاستخدام أوراق ضغط قوية. وبحسب مسؤولين أمريكيين سابقين، فإن استمرار نفوذ إيران على مضيق هرمز، الذي يعد أهم ممر مائي عالمي لشحن الطاقة، يمنح طهران ميزة تفاوضية كبيرة. وقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن آلان آير، العضو السابق في الفريق الأمريكي المفاوض على الاتفاق النووي عام 2015، قوله إن إيران، رغم تلقيها ضربات عسكرية قاسية، تمتلك حالياً سلاحاً نووياً مجازياً يتمثل في سيطرتها على مضيق هرمز، مما يهدد أمن الطاقة العالمي.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي تسوية محتملة
تحمل هذه المحادثات أهمية بالغة تتجاوز حدود البلدين لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية واسعة. فقد قدمت إيران خطة من 10 بنود لتسوية النزاع، شملت إرساء وضع جديد في مضيق هرمز، والقبول بتخصيب اليورانيوم مع مناقشة مستوياته، بالإضافة إلى وقف الحرب على كافة الجبهات، بما في ذلك جبهة لبنان، ودفع تعويضات عن الحرب. نجاح هذه المفاوضات سيعني استقرار أسواق النفط العالمية وتخفيف حدة الصراعات في الشرق الأوسط. أما فشلها، فقد ينذر بانفجار إقليمي واسع النطاق يجر قوى دولية أخرى إلى أتون الصراع.
تحذيرات من التلاعب ومستقبل غامض
في ظل هذه التطورات، حذر الرئيس ترمب وفريق إدارته طهران من أي محاولات للتلاعب أو التحايل خلال المحادثات. وأكد ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال» أن الإيرانيين لا يملكون أوراقاً حقيقية للضغط، وأن فرصتهم الوحيدة للبقاء هي التفاوض بجدية. ورغم أن ترمب أشار في البداية إلى استعداده للتعامل مع الخطة الإيرانية كأساس للمفاوضات، إلا أنه عاد ليؤكد مطالبته بإعادة فتح المضيق بالكامل. ومع وجود تباين واضح بين ما قُدم للجانب الأمريكي وما أعلنه الجانب الإيراني من شروط، يرى المراقبون أن التوصل إلى اتفاق نهائي سيستغرق أسابيع، إن لم يكن شهوراً، مما يرجح الحاجة إلى تمديد وقف إطلاق النار لفترات إضافية.


