أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال مؤتمر صحافي عُقد في العاصمة الهندية نيودلهي على هامش اجتماعات مجموعة «بريكس»، أن الوساطة الباكستانية لحل الأزمة الراهنة لم تفشل، بل تواجه صعوبات وتحديات ملموسة. وفي هذا السياق، شدد عراقجي على أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية الحالية تفتقر إلى الثقة المتبادلة، مشيراً إلى أن الرسائل المتناقضة التي تتلقاها طهران تجعل من الصعب التأكد من النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية. كما رحب بأي جهود دبلوماسية قد تبذلها الصين للمساعدة في نزع فتيل الأزمة وإيجاد حلول سلمية.
جذور التوتر ومسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية
لفهم التعقيدات التي تحيط بالمشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي أدى إلى انعدام الثقة بين الطرفين. تعود جذور الأزمة الحديثة إلى انسحاب الولايات المتحدة الأُحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن سياسة «الضغوط القصوى». هذا التراجع الأمريكي أدى إلى تقليص طهران لالتزاماتها النووية تدريجياً. ومنذ ذلك الحين، تتسم المفاوضات الأمريكية الإيرانية، سواء المباشرة أو غير المباشرة، بحالة من الشد والجذب، حيث تطالب طهران بضمانات لعدم تكرار الانسحاب، بينما تصر واشنطن على فرض قيود أطول أمداً على البرنامج النووي الإيراني وتوسيع النقاش ليشمل قضايا إقليمية أخرى.
تعقيدات مضيق هرمز وأمن الملاحة الإقليمية
تطرق عراقجي في تصريحاته إلى قضية أمن الملاحة، زاعماً أن مضيق هرمز الاستراتيجي يقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عمان، نافياً وجود مياه دولية فيه. واعتبر أن إدارة العبور في المضيق تقع على عاتق طهران ومسقط، واصفاً الوضع هناك بـ«المعقد». وأضاف أن أي دولة ترغب في العبور الآمن يجب أن تنسق مع إيران. يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. وبالتالي، فإن أي تصعيد أو تهديد لحرية الملاحة في هذا المضيق يحمل تداعيات اقتصادية دولية خطيرة، ويؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية وأمن دول الخليج العربي.
تباين الرؤى حول المقترحات ورفض واشنطن
في سياق متصل، كشفت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية أن الإدارة الأمريكية رفضت رفضاً قاطعاً خطة إيرانية مكونة من 14 نقطة لحل الصراع. وأوضحت الصحيفة أن واشنطن ردت على المقترح الخطي برفض جميع البنود، مؤكدة استمرارها في سياسة الضغط، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. ووفقاً لمصادر نقلت عنها صحيفة «وول ستريت جورنال»، رفضت طهران تفكيك منشآتها النووية كما تطالب واشنطن، لكنها أبدت استعداداً لتعليق تخصيب اليورانيوم، شريطة ألا يكون ذلك لمدة عشرين عاماً كما تشترط الولايات المتحدة. وقد وصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الرد الإيراني بأنه «غير مقبول»، مما يعكس عمق الفجوة بين الطرفين. وأكد عراقجي أن بلاده لا تثق في الأمريكيين، خاصة بعد الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة في خضم المساعي الدبلوماسية، مشدداً على أن واشنطن لن تحقق عبر طاولة الحوار ما عجزت عن تحقيقه في الميدان.
التداعيات المستقبلية على استقرار الشرق الأوسط
تحمل هذه التطورات أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، يؤدي تعثر الجهود الدبلوماسية إلى استمرار حالة الاستنفار الأمني وزيادة احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة أو بالوكالة في الشرق الأوسط. أما دولياً، فإن استمرار الأزمة يهدد استقرار أسواق الطاقة ويعرقل جهود منع الانتشار النووي. ومع تأكيد طهران أنها تحاول الحفاظ على وقف إطلاق النار لإعطاء فرصة للدبلوماسية، واهتمامها بالتفاوض فقط إذا كان الطرف الآخر جاداً، يبقى الباب موارباً أمام وساطات قوى كبرى مثل الصين أو دول إقليمية مثل باكستان وعمان، في محاولة لتجنب انزلاق المنطقة نحو صراع مفتوح لا تُحمد عقباه.


