في ظل تصاعد التوترات الأمريكية الإيرانية بشكل غير مسبوق، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صورة له على منصة «تروث سوشيال» مرفقة بعبارة «الهدوء الذي يسبق العاصفة». ولم يوضح ترمب صراحة المقصود من المنشور، إلا أن الصورة التي وُلدت بالذكاء الاصطناعي أظهرته محاطاً بسفن حربية وسط أمواج عاتية، مما فُسر على أنه تلويح أمريكي صريح بخيارات عسكرية قادمة ضد طهران.
جذور الأزمة ومسار العلاقات المعقدة
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات بين واشنطن وطهران، والتي اتسمت بالعداء منذ عقود. وقد شهدت هذه العلاقات منعطفاً حاداً عندما انسحبت الإدارة الأمريكية في عام 2018 من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، لتبدأ حملة «الضغوط القصوى» التي تضمنت عقوبات اقتصادية قاسية. هذا التراجع عن المسار الدبلوماسي أدى إلى تسريع طهران لبرنامجها النووي وتوسيع نفوذها الإقليمي، مما جعل المنطقة تعيش على صفيح ساخن بشكل دائم، وجعل أي مفاوضات جديدة محفوفة بانعدام الثقة العميق بين الطرفين.
شروط متبادلة في ظل التوترات الأمريكية الإيرانية
من جهتها، صرحت وكالة «مهر» الإيرانية الرسمية للأنباء بأن الولايات المتحدة تسعى للحصول على تنازلات من إيران «من دون تقديم أي امتيازات ملموسة». وأضافت أن هذه المطالب الأمريكية «مبالغ فيها» وقد تؤدي إلى تعقيد مسار المفاوضات وتعثرها. وفي إطار مساعي الوساطة، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن طهران اشترطت 5 أمور لـ«بناء الثقة» قبل الدخول في أي مفاوضات، وذلك رداً على 5 طلبات أمريكية، وسط تحركات من رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، لاستئناف المحادثات المتعثرة.
المطالب الأمريكية والإيرانية
تضمنت الشروط الأمريكية: عدم دفع أي غرامات أو تعويضات، تسليم 400 كجم من اليورانيوم الإيراني، الإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط، عدم إعادة حتى 25% من الأصول المجمدة، وربط وقف الحرب ببدء المفاوضات. في المقابل، طالبت إيران بـ: وقف الحرب في كل الجبهات (خاصة لبنان)، الرفع الكامل للعقوبات، تحرير كافة الأرصدة المجمدة، التعويض عن خسائر الحرب، واعتراف واشنطن بحق إيران الكامل في السيادة على مضيق هرمز.
تحركات عسكرية وتداعيات إقليمية ودولية
على الصعيد الميداني، أفادت تقارير بعودة حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جيرالد آر فورد» إلى فرجينيا بعد انتشار استمر 11 شهراً. في المقابل، أعلن النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، أن طهران لن تسمح بمرور المعدات العسكرية «المعادية» عبر مضيق هرمز. ويحمل هذا التهديد أهمية دولية بالغة، حيث يُعد المضيق شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، وأي إغلاق أو تصعيد عسكري فيه سيؤدي إلى صدمة هائلة في أسواق الطاقة العالمية وتداعيات اقتصادية تضر بالاستقرار الدولي.
مخاوف دولية واشتعال الجبهات الموازية
دولياً، علّق ميخائيل أوليانوف، الممثل الدائم لروسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، على تقارير لصحيفة «نيويورك تايمز» تفيد باستعداد واشنطن وتل أبيب لتوجيه ضربات ضد طهران، محذراً من أن البلدين «لم يتعلما الدروس من أخطائهما الاستراتيجية السابقة». إقليمياً، يستمر التصعيد؛ ففي لبنان، يتواصل تبادل إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل رغم تمديد الهدنة، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 2988 شخصاً وإصابة 9210 آخرين منذ 2 مارس. وفي الإمارات، أعلنت وزارة الدفاع اعتراض 3 طائرات مسيّرة اقتربت من الحدود الغربية، حيث أصابت إحداها مولداً كهربائياً خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة للطاقة النووية، مؤكدة جاهزيتها التامة للتصدي لأي تهديدات.
انقسامات في واشنطن حول استراتيجية الردع
داخلياً في الولايات المتحدة، نقلت شبكة CNN عن مصادر وجود خلافات داخل إدارة ترمب بشأن كيفية التعامل مع الصراع. فبينما يميل مسؤولو البنتاجون إلى استخدام القوة وتوجيه ضربات دقيقة لانتزاع تنازلات، توجد انقسامات تزيد من تعقيد المشهد. وقد صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، بأن «جميع الخيارات مطروحة أمام ترمب، ولن يقبل الرئيس إلا باتفاق يحمي الأمن القومي لبلادنا».


