تشهد الساحة السياسية الدولية ترقباً حذراً لمسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية غير المباشرة، حيث كشف مسؤول أمريكي لشبكة “سي إن إن” عن استمرار المباحثات لترتيب اجتماع حاسم في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وفي هذا السياق، أكد مصدر باكستاني مطلع أن طهران أبلغت إسلام آباد بنيتها الرد قريباً على المقترحات الأمريكية الرامية لإنهاء حالة الصراع، وذلك رغم التقارير الإعلامية الإيرانية التي ألمحت إلى رفض طهران المبدئي للمقترح. ولا تزال باكستان تنتظر التأكيد الرسمي من الجانب الإيراني لنقل الرد إلى واشنطن، وفقاً لما نقلته وكالة رويترز.
جذور التوتر ومسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية
لفهم طبيعة المفاوضات الأمريكية الإيرانية الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد بين البلدين، والذي اتسم بعقود من انعدام الثقة. وتفاقمت التوترات بشكل ملحوظ بعد انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، مما دفع طهران إلى تسريع وتيرة برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت واشنطن وطهران على قنوات دبلوماسية خلفية ووسطاء إقليميين ودوليين، مثل سلطنة عمان وقطر، ومؤخراً باكستان ومصر، لتمرير الرسائل وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة قد تعصف باستقرار المنطقة وتجر أطرافاً أخرى للنزاع.
تفاصيل المقترح الأمريكي والشروط الإيرانية المضادة
كشفت مصادر مطلعة في الحكومة الإسرائيلية أن المقترح الأمريكي يتألف من 15 بنداً رئيسياً، تم نقلها عبر إسلام آباد. وتركز هذه البنود على تحجيم القدرات العسكرية والنووية لطهران، حيث تشمل المطالبة بالتخلص من مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، والوقف الفوري لعمليات التخصيب، بالإضافة إلى كبح جماح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وقطع التمويل عن الجماعات والفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران في منطقة الشرق الأوسط.
في المقابل، حددت طهران 5 شروط أساسية للقبول بالتسوية. ونقلت قناة “برس تي في” الإيرانية عن مسؤول سياسي وأمني رفيع أن إيران تطالب بإنهاء كافة أعمال العدوان والاغتيالات، وتهيئة ظروف ملموسة تضمن عدم اندلاع الحرب مجدداً، مع وضع آليات واضحة لدفع تعويضات عن خسائر الحرب. كما تشترط طهران إنهاء الصراع على كافة الجبهات بمشاركة جميع الفصائل، والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز باعتباره حقاً طبيعياً وقانونياً. ورفضت طهران بشكل قاطع السماح للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بفرض جدول زمني لإنهاء الحرب. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تراجع المقترحات ولا تسعى للحرب، بل تهدف لإنهاء الصراع بشكل دائم.
التداعيات الإقليمية والدولية للاتفاق المحتمل
تكتسب هذه الجولة من المباحثات أهمية بالغة نظراً لتأثيرها العميق على المشهدين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، من شأن التوصل إلى تفاهمات أن يهدئ من روع التوترات في منطقة الخليج العربي ويقلص من حدة الصراعات التي تنهك دول الشرق الأوسط. أما دولياً، فإن استقرار الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، يعد مصلحة استراتيجية كبرى للاقتصاد العالمي، وأي تصعيد هناك قد يؤدي إلى أزمات طاقة عالمية خانقة.
التحركات العسكرية الأمريكية والموقف الإسرائيلي
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، تلوح واشنطن بورقة التصعيد العسكري كأداة ضغط. فقد أحجم البيت الأبيض عن كشف تفاصيل المقترح، لكن المتحدثة باسمه، كارولين ليفيت، حذرت من أن الرئيس ترمب مستعد لتوجيه ضربات غير مسبوقة إذا لم تدرك طهران الموقف. وفي هذا الإطار، تخطط وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لإرسال آلاف الجنود جواً إلى الخليج، بالإضافة إلى فرقتين من مشاة البحرية في طريقهما للمنطقة، لتوسيع الخيارات العسكرية المتاحة.
من جهة أخرى، تراقب إسرائيل هذه التطورات بقلق بالغ. فقد أعرب مسؤول دفاعي إسرائيلي كبير عن شكوك تل أبيب في التزام إيران بأي شروط، مبدياً مخاوفه من تقديم المفاوضين الأمريكيين لتنازلات جوهرية. وأكد مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي للشؤون الخارجية، أوفير فالك، على انعدام الثقة في نوايا طهران، مشدداً على إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بحق توجيه ضربات استباقية بغض النظر عن أي اتفاق قد يتم التوصل إليه.


