في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تداولت بعض التقارير الإعلامية أنباءً عن تعثر المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، نفت مصادر باكستانية مطلعة لصحيفة «عكاظ» هذه الأنباء، مؤكدة أن مفاوضات إسلام آباد لم تفشل، بل جرت في أجواء إيجابية وتمت جدولتها على مراحل زمنية محددة. وتركزت هذه المباحثات خلال الأيام الماضية على ثلاثة مسارات تفاوضية رئيسية، كان أبرزها مسار بناء إجراءات الثقة المفقودة بين الطرفين. وأوضحت المصادر أن هذا المسار حظي بالاهتمام الأكبر، نظراً لأنه يعكس فجوة عميقة وتراكمات معقدة بين واشنطن وطهران.
السياق التاريخي لأزمة الثقة في مفاوضات إسلام آباد
لفهم أهمية مفاوضات إسلام آباد، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية، والتي اتسمت بالقطيعة وانعدام الثقة منذ عقود. تعمقت هذه الفجوة بشكل كبير بعد انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وما تلاه من فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، والتي ردت بدورها برفع نسب تخصيب اليورانيوم. هذا التاريخ الحافل بالتوترات جعل الخلاف الحالي ليس مجرد تباين تكتيكي، بل هو خلاف بنيوي يتعلق برؤية كل طرف لدوره في النظامين الدولي والإقليمي. ولذلك، حرصت إسلام آباد على تثبيت دعائم الثقة قدر الإمكان، للتمهيد لمناقشة الملفات الشائكة الأخرى.
مضيق هرمز واليورانيوم: جوهر الخلاف الاستراتيجي
أفادت المصادر القريبة من محيط المباحثات أن الوفدين طلبا وقتاً إضافياً لمزيد من التشاور، حيث برزت خلافات حادة حول قضايا استراتيجية، أهمها حرية الملاحة في مضيق هرمز. يشدد الطرف الإيراني على أن التحكم في فتح أو إغلاق المضيق هو شأن إيراني بحت، وهو موقف ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً وتعتبره تهديداً للأمن العالمي. ويُعد مسار مضيق هرمز الأكثر حساسية وجوهراً للصراع الحقيقي. إلى جانب ذلك، تبرز قضية رفض إيران التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب. ورغم المحاولات الباكستانية لفصل الملفات (الثقة، الأمن، الاقتصاد) لتسهيل تحقيق تقدم جزئي، إلا أن بقاء الملف الاستراتيجي عالقاً حال دون التوصل إلى اتفاق شامل في جلسة واحدة.
التداعيات الإقليمية والدولية لمسار المحادثات
تحمل نتائج هذه المباحثات أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الدولي، يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، وأي تصعيد هناك يهدد أمن الطاقة العالمي ويرفع أسعار النفط بشكل مباشر. إقليمياً، تساهم أي تفاهمات، ولو كانت تكتيكية، في خفض حدة التوتر في الشرق الأوسط، وتنعكس إيجاباً على استقرار الدول المجاورة وأمن الملاحة البحرية. أما محلياً، فإن نجاح مسار التهدئة قد يفتح الباب أمام تخفيف بعض العقوبات، مما ينعكس على الوضع الاقتصادي الداخلي في إيران.
الدور الباكستاني كضامن في إدارة الأزمة
لعبت باكستان دور «الضامن» في هذه الجولة، عبر تيسير إجراءات تدريجية شملت خفض التصعيد الإعلامي والعسكري، وترتيبات غير معلنة لتبادل الرسائل والتفاهمات الأمنية. وتشير المصادر الأمريكية إلى أن المباحثات تسير وفق منطق «إدارة الأزمة» وليس «حل الأزمة»، حيث يسعى الطرفان لكسب الوقت دون تقديم تنازلات كبرى. في المحصلة، لم تفشل المحادثات، لكنها حققت نجاحاً تكتيكياً محدوداً ضمن مسار زمني طويل ومعقد. وتبقى القضايا الجوهرية، مثل طبيعة الدور الإقليمي لإيران، وملف العقوبات، والضمانات الأمريكية، والترتيبات الأمنية طويلة الأمد، بانتظار جولات قادمة قد تقود إلى تفاهم أوسع أو تعيد المشهد إلى مربع التصعيد إذا تعثرت خطوات بناء الثقة.


