في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، تبرز من جديد قضية إدارة مضيق هرمز كواحدة من أعقد الملفات على الساحة الدولية. وسط أنباء عن خلافات عميقة بين وفدي التفاوض الأمريكي والإيراني في العاصمة الباكستانية إسلام آباد حول آلية إدارة هذا الممر المائي الحيوي، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن عبور المدمرتين “فرانك بيترسون” و”مايكل ميرفي” مضيق هرمز لتنفيذ عمليات استراتيجية في مياه الخليج العربي.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية للممر المائي
لفهم جذور النزاع الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي لهذا الممر. يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام. تاريخياً، شكل المضيق نقطة احتكاك مستمرة بين واشنطن وطهران، بدءاً من “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق المضيق رداً على العقوبات الدولية. هذه الخلفية تجعل من أي نقاش حول السيطرة على المضيق مسألة حساسة تمس الأمن القومي للعديد من الدول وتؤثر على استقرار الاقتصاد العالمي.
التحركات العسكرية الأمريكية وتأمين الملاحة
أوضح هيغسيث أن عبور المدمرتين يأتي ضمن مهمة عسكرية تهدف إلى ضمان خلو المضيق بالكامل من الألغام البحرية. وفي سياق متصل، أكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن قواتها بدأت تهيئة الظروف اللازمة لإزالة الألغام. وأشارت في بيان رسمي إلى أن المدمرتين “يو إس إس فرانك إي. بيترسون” (DDG 121) و”يو إس إس مايكل ميرفي” (DDG 112)، المزودتين بصواريخ موجهة، نفذتا عمليات في الخليج العربي بعد عبورهما المضيق. الهدف الأوسع هو إزالة الألغام التي زرعها الحرس الثوري الإيراني سابقاً. وصرح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية البحرية الأمريكية، قائلاً: “لقد بدأنا اليوم عملية إنشاء ممر ملاحي جديد، وسنشارك تفاصيل هذا المسار الآمن مع القطاع البحري قريباً لتشجيع التدفق الحر للحركة التجارية”. ومن المقرر أن تنضم قوات أمريكية إضافية، تشمل مسيرات تعمل تحت الماء، لدعم هذه الجهود في الأيام القليلة القادمة.
الموقف الإيراني من مقترحات إدارة مضيق هرمز
على الجانب الآخر، ترفض طهران بشدة أي مقترحات تمس سيادتها. وقد نفى مسؤول عسكري إيراني رفيع المستوى التقارير التي تحدثت عن عبور سفن عسكرية أمريكية، مؤكداً للتلفزيون الإيراني أن “سفينة أمريكية عادت أدراجها بعد تلقيها تحذيراً”. ونقلت صحيفة “فاينانشال تايمز” عن مصادر مطلعة أن النقاشات بشأن إعادة فتح المضيق تمثل نقطة خلاف رئيسية، حيث تصر إيران على احتفاظها بالسيادة الكاملة والسيطرة على المضيق، بل وتطالب بفرض رسوم عبور على السفن التجارية. وأكدت المصادر أن المفاوضين الإيرانيين رفضوا بشكل قاطع مقترحاً أمريكياً ينص على الإدارة المشتركة للمضيق.
التداعيات الإقليمية والدولية المتوقعة
إن أي تغيير في وضع الملاحة في المنطقة يحمل تداعيات واسعة النطاق. محلياً وإقليمياً، يؤثر التوتر بشكل مباشر على دول الخليج العربي التي تعتمد على هذا الممر لتصدير مواردها من الطاقة إلى الأسواق العالمية. أما على الصعيد الدولي، فإن أي تصعيد عسكري أو إعاقة لحركة الملاحة قد يؤدي إلى صدمات في أسواق الطاقة العالمية، مما يرفع أسعار النفط ويزيد من معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى. لذلك، تسعى القوى الكبرى إلى الحفاظ على حرية الملاحة كأولوية قصوى لتجنب أزمات اقتصادية عالمية.
مسار المفاوضات المستقبلية
رغم التصعيد الميداني، تستمر الجهود الدبلوماسية. فقد نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر مقربة من فريق التفاوض أن الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية أنهت جولة من المحادثات المباشرة في إسلام آباد. وأوضحت المصادر أن الجانبين بصدد تبادل نصوص مكتوبة حول القضايا الخلافية المطروحة للنقاش، مع ترجيحات بعقد مرحلة أخرى من المفاوضات خلال عطلة نهاية الأسبوع، في محاولة للوصول إلى تفاهمات تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.


