في خطوة دبلوماسية يترقبها العالم، تتجه الأنظار غداً الجمعة إلى سويسرا، حيث من المقرر توقيع مذكرة تفاهم تمثل أحدث فصول الاتفاق الأمريكي الإيراني الهادف إلى نزع فتيل التوتر في الشرق الأوسط. وبينما تمثل هذه المذكرة بصيص أمل لتهدئة الصراعات، يبرز المشهد اللبناني كساحة الاختبار الأكثر حساسية وحرجاً، حيث ستُختبر قدرة هذه الصفقة على الصمود في وجه الضغوط الإقليمية المتزايدة والمعقدة.
تأتي هذه المحاولة في سياق تاريخ طويل من العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران، والتي شهدت محطات من العداء والمفاوضات المتعثرة، أبرزها الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي انسحبت منه الولايات المتحدة لاحقاً. تسعى الإدارة الأمريكية الحالية إلى احتواء التوترات ومنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة قد تهدد استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي. وتدرك واشنطن أن أي انهيار للتفاهمات مع إيران قد يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد المفتوح، الذي يصعب التحكم في نتائجه، مما يفسر تمسكها بالحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة.
أبعاد الاتفاق الأمريكي الإيراني وتحديات الصمود
يهدف الاتفاق الأمريكي الإيراني في جوهره إلى إدارة الخلافات بدلاً من حلها بشكل جذري، عبر تفاهمات غير معلنة تمنع تجاوز الخطوط الحمراء من قبل الطرفين. إلا أن هذا التوازن الهش يواجه تحدياً رئيسياً من إسرائيل، التي تبدو رافضة لأي تفاهم يمنح إيران متنفساً سياسياً أو اقتصادياً. تتبنى إسرائيل استراتيجية هجومية، تتمثل في مواصلة الضربات العسكرية في الساحة اللبنانية، مراهنة على أن الضغط العسكري المستمر سيؤدي إلى إضعاف حلفاء إيران، وتحديداً حزب الله، وبالتالي دفع طهران لتقديم تنازلات أكبر في أي مفاوضات مستقبلية.
لبنان: ساحة الاختبار الأولى لاستقرار المنطقة
تتحول الساحة اللبنانية بفعل هذه الديناميكيات إلى مقياس حقيقي لنجاح أو فشل التفاهمات الجديدة. فكل غارة إسرائيلية وكل رد فعل محتمل من حلفاء إيران يضعان الصفقة على المحك. تخشى واشنطن من أن يؤدي التصعيد في جنوب لبنان إلى حرب إقليمية شاملة، وهو ما تسعى لتجنبه بكل السبل. في المقابل، ترى إسرائيل في استمرار الضغط العسكري وسيلة لتغيير قواعد اللعبة وفرض واقع جديد يخدم مصالحها الأمنية. إن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط على طاولة المفاوضات في جنيف، بل سيتقرر إلى حد كبير في ميادين النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان.
في المحصلة، تبدو فرص صمود الاتفاق قائمة طالما بقيت المصالح الاستراتيجية العليا لواشنطن وطهران تدفع نحو تجنب المواجهة المباشرة. لكن نجاح الاستراتيجية الإسرائيلية في تغيير موازين القوى داخل لبنان يمكن أن يضع الاتفاق أمام اختبارات صعبة، ويجعل استمراره رهناً بقدرة القوتين العظميين على إدارة خلافاتهما ومنع الأطراف الإقليمية الأخرى من نسف جهودهما الدبلوماسية.


