في خطوة دبلوماسية لافتة، تتجه أنظار العالم إلى سويسرا، حيث تم التوصل إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني المبدئي بعد مفاوضات مكثفة استمرت لأكثر من شهرين. وبموجب هذا التفاهم الأولي، الذي أوردت تفاصيله وكالة “بلومبيرغ”، سيتم إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مقابل منح مهلة 60 يوماً للتفاوض حول القضايا الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل وبرنامج الصواريخ الباليستية.
اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هذا الاتفاق يمثل بداية لعملية تفضي إلى السلام في المنطقة، إلا أن الأصوات المتشككة سرعان ما ارتفعت، معتبرةً أن الاتفاق قد لا يتجاوز كونه “هدنة مؤقتة”. ويستند هذا التشكك إلى غياب أي تنازلات واضحة من الطرفين بشأن القضايا الجوهرية التي تشكل أساس الخلاف، مثل حجم الدعم الاقتصادي الذي يمكن أن تحصل عليه إيران وكيفية التعامل مع طموحاتها النووية.
خلفيات التوتر ومسار المفاوضات الشائك
لم يأتِ هذا الاتفاق من فراغ، بل هو نتيجة سنوات من التوتر المتصاعد الذي بلغ ذروته بعد انسحاب إدارة الرئيس ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2018، والتي كانت قد أبرمت في عهد الرئيس باراك أوباما عام 2015. أدى الانسحاب إلى إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، وردت إيران بزيادة وتيرة أنشطتها النووية، مما خلق حالة من انعدام الثقة العميق الذي يلقي بظلاله على المفاوضات الحالية. ويسعى الطرفان اليوم لإيجاد مخرج من هذا المأزق، حيث يمثل تأمين الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي، أولوية قصوى لواشنطن وحلفائها.
أهمية مضيق هرمز وتداعيات الاتفاق الأمريكي الإيراني
يحمل الاتفاق في طياته أبعاداً استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية. فإعادة فتح مضيق هرمز لا تعني فقط تخفيف التوتر العسكري المباشر في أحد أهم الممرات المائية في العالم، بل تبعث برسالة استقرار لأسواق الطاقة العالمية التي تتأثر بأي تهديد للإمدادات. وعلى الصعيد الإقليمي، يُنظر إلى هذا التفاهم كخطوة قد تمهد لخفض التصعيد في مناطق أخرى، رغم أن الصراع المتصاعد بين إسرائيل ولبنان لا يزال يمثل تهديداً جدياً قد ينسف هذه الجهود الهشة. إن نجاح هذه المرحلة الأولية سيعتمد بشكل كبير على مدى جدية الطرفين في بناء جسور الثقة خلال فترة الستين يوماً القادمة.
تحديات الثقة والموقف الإسرائيلي
ما يزيد من حالة عدم اليقين هو انعدام الثقة التاريخي بين واشنطن وطهران. فبينما يخشى مستشارو الرئيس ترامب المتشددون من أن تستغل إيران الاتفاق لتقويض الاستقرار، يشير المسؤولون الإيرانيون إلى الهجمات السابقة التي تعرضت لها البلاد، والتي أدت إلى اغتيال قادة بارزين، كدليل على عدم إمكانية الوثوق بالجانب الأمريكي. وفي هذا السياق، يبرز موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالما أبدى شكوكاً عميقة في قدرة أي اتفاق على لجم طموحات إيران النووية، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد على المشهد. كما يواجه أي تخفيف واسع للعقوبات تحدياً داخلياً في الولايات المتحدة، حيث يتطلب موافقة مجلس الشيوخ بموجب قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وهو ما يعكس صعوبة تحقيق توافق سياسي شامل.


