أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب جدلاً واسعاً بعد كشفه في منشور مثير عبر منصة «تروث سوشيال» أن هافانا طلبت المساعدة من واشنطن. هذا التصريح المفاجئ أعاد إلى الأذهان التوترات التاريخية، وطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان الغزو الأمريكي لكوبا أو التدخل العسكري المباشر خياراً مطروحاً على الطاولة، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالجزيرة الكاريبية.
تصعيد الخطاب السياسي والعقوبات الاقتصادية
أوضح ترمب في منشوره أن الولايات المتحدة ستتحدث مع القيادة الكوبية، واصفاً إياها بأنها «دولة فاشلة تتجه نحو الانحدار»، ومشيراً في الوقت ذاته إلى أنه متجه إلى الصين. وفي السياق ذاته، صعد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من لهجته، معتبراً النظام الاقتصادي في كوبا فاشلاً وغير قابل للإصلاح بسبب ما وصفه بـ «عدم كفاءة الشيوعيين». وتتزامن هذه التصريحات مع فرض واشنطن عقوبات إضافية على هافانا، وهو ما دفع وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز إلى وصف هذه الإجراءات بأنها «عقاب جماعي ذو طبيعة إبادة جماعية».
جذور التوتر: من أزمة الصواريخ إلى التلويح بـ الغزو الأمريكي لكوبا
لفهم طبيعة هذا التصعيد، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد بين البلدين. اتسمت العلاقات الأمريكية الكوبية بالعداء الشديد منذ نجاح الثورة الكوبية عام 1959، ووصلت إلى حافة الهاوية خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، والتي كادت أن تشعل حرباً نووية. منذ ذلك الحين، فرضت واشنطن حصاراً اقتصادياً خانقاً على الجزيرة. وفي هذا الصدد، أشار تقرير لموقع «أكسيوس» إلى أن أي تدخل عسكري أمريكي اليوم سيمثل أخطر مواجهة بين واشنطن وهافانا منذ تلك الأزمة التاريخية. ورغم أن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا نقل عن ترمب في اجتماع مغلق أنه لا ينوي غزو كوبا برياً، إلا أن التلويح المستمر بالقوة يعيد إحياء هواجس الماضي.
أزمة إنسانية متفاقمة وانهيار التحالفات النفطية
تعيش كوبا حالياً أزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة. وتُحمل السلطات الكوبية «الحصار النفطي» الأمريكي مسؤولية نقص الإمدادات الأساسية. وما زاد من تعقيد المشهد هو تدهور الأوضاع في فنزويلا، الحليف الاستراتيجي والمورد الرئيسي للنفط لكوبا، خاصة بعد التوترات التي رافقت اعتقال شخصيات بارزة وتضييق الخناق على نظام نيكولاس مادورو. هذا الانقطاع في الدعم الفنزويلي وجه ضربة قاصمة للاقتصاد الكوبي، مما جعل هافانا في موقف ضعيف قد يفسر لجوءها لطلب المساعدة كما صرح مسؤولون في البيت الأبيض.
التداعيات الإقليمية والدولية للتحركات الأمريكية
إن أي تحرك أمريكي حاسم تجاه كوبا لن تقتصر آثاره على الداخل الكوبي، بل سيمتد ليحدث زلزالاً جيوسياسياً. إقليمياً، سيؤدي ذلك إلى استقطاب حاد في أمريكا اللاتينية. ودولياً، قد تستغل قوى كبرى مثل روسيا والصين هذا التوتر لتعزيز نفوذها في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. على الصعيد العسكري، أظهرت تحليلات شبكة CNN تزايداً ملحوظاً في طلعات الاستطلاع والمراقبة الأمريكية قبالة السواحل الكوبية منذ فبراير الماضي. ورغم استبعاد المراقبين لسيناريو الاجتياح البري، يُرجح البعض اللجوء إلى «عملية عسكرية عن بُعد» لإحداث صدمة داخل النظام. وقد ألمح ترمب سابقاً إلى إمكانية نشر حاملة طائرات قبالة السواحل الكوبية للضغط على هافانا. ويبقى تاريخ 20 مايو، الذي يوافق عيد استقلال كوبا ونهاية الاحتلال الأمريكي السابق، موعداً يترقبه المحللون لأي تطورات حاسمة.


