تصعيد غير مسبوق ضد وسائل الإعلام الأمريكية
في خطوة تثير جدلاً واسعاً حول حرية الصحافة في الولايات المتحدة، وجه رئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC)، بريندان كار، تحذيراً شديد اللهجة إلى جهات البث التلفزيوني، مهدداً بسحب تراخيصها الممنوحة لها إذا لم تقم بـ "تصحيح مسارها" فيما يتعلق بتغطية الحرب الدائرة مع إيران. جاء هذا التهديد الصريح استجابة مباشرة لشكوى علنية قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي انتقد بشدة ما وصفه بـ "التغطية السلبية والمضللة" للنزاع العسكري.
تفاصيل التهديد وموقف هيئة الاتصالات الفيدرالية
عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، أوضح كار أن المحطات التلفزيونية التي تبث ما أسماه "أكاذيب وتشويهات إخبارية" تمتلك فرصة أخيرة لتصحيح مسارها المهني قبل حلول موعد تجديد تراخيصها. واستند كار في تهديده إلى مبدأ قانوني ينص على ضرورة عمل المذيعين لصالح "المصلحة العامة"، محذراً من أن الفشل في تحقيق ذلك سيؤدي حتماً إلى فقدان التراخيص. وأشار إلى أن هذا التغيير يصب في المصلحة التجارية للمحطات أيضاً، مستشهداً بانخفاض ثقة الجمهور الأمريكي في وسائل الإعلام التقليدية إلى مستوى تاريخي متدنٍ يبلغ 9% فقط، واصفاً إياه بـ "الكارثة في التقييمات".
التدخل الرئاسي وتأثيره على التغطية الإخبارية
لم يأتِ تحذير رئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية من فراغ، بل صدر بعد ساعات قليلة من تصريحات غاضبة للرئيس ترامب. فقد انتقد ترامب بشدة تغطية الشبكات الإخبارية الكبرى للحرب مع إيران، معتبراً إياها "سلبية بنسبة 97%"، ومتهماً إياها بالتركيز المتعمد على الخسائر وتجاهل الانتصارات العسكرية. وألمح ترامب بوضوح إلى أن بريندان كار "سيتعامل مع الأمر"، مذكراً بأن التراخيص تُمنح مجاناً مقابل الالتزام بخدمة المصلحة العامة. وأكد كار لاحقاً هذا التوجه، مشيراً إلى أن الشعب الأمريكي منح المذيعين موجات هوائية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، مما يستوجب إعادة الثقة للإعلام، خاصة بعد فوز مرشح سياسي بأغلبية ساحقة في انتخابات 2024 رغم ما وصفه بـ "حملات التشويه".
السياق التاريخي ودور الـ FCC في تنظيم الإعلام
تاريخياً، تأسست هيئة الاتصالات الفيدرالية (FCC) في عام 1934 لتنظيم الاتصالات الراديوية والتلفزيونية. ولطالما كان معيار "المصلحة العامة" نقطة نقاش قانونية معقدة. ففي الماضي، كانت الهيئة تطبق "عقيدة الإنصاف" (Fairness Doctrine) التي كانت تلزم المحطات بعرض وجهات النظر المختلفة في القضايا الجدلية، قبل أن يتم إلغاؤها في عام 1987. ومنذ ذلك الحين، تمتعت الشبكات الإخبارية بهامش واسع من الحرية التحريرية المحمية بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي، والذي يمنع الحكومة من تقييد حرية الصحافة. لذا، يُعد التهديد بسحب التراخيص بناءً على المحتوى الإخباري سابقة خطيرة قد تصطدم بعقبات دستورية كبرى.
ردود الفعل والتداعيات القانونية والسياسية
أثارت هذه التصريحات موجة من الانتقادات الحادة من قبل المعارضة والمدافعين عن حرية التعبير. فقد وصف النائب الديمقراطي تيد ليو هذا التهديد بأنه "فاشي"، محذراً من أن أي محاولة لتنفيذ هذا التهديد ستؤدي فوراً إلى دعاوى قضائية ضخمة، وقد تكشف عن تواصل غير قانوني محتمل بين البيت الأبيض وهيئة الاتصالات الفيدرالية المستقلة. ويرى المراقبون السياسيون أن هذه الخطوة تمثل تصعيداً خطيراً في استخدام المؤسسات الفيدرالية للضغط على وسائل الإعلام.
سجل بريندان كار وتأثيراته المتوقعة
منذ توليه رئاسة هيئة الاتصالات الفيدرالية في يناير 2025، اتخذ بريندان كار سلسلة من المواقف العدائية تجاه وسائل الإعلام التقليدية. شملت هذه الإجراءات إعادة فتح تحقيقات بتهمة "تشويه الأخبار" ضد شبكة CBS بسبب مقابلة مع كامالا هاريس في عام 2024، بالإضافة إلى توجيه تهديدات سابقة لشبكة ABC بسبب برنامج "جيمي كيميل"، وفتح تحقيقات في برنامج "The View" بتهمة انتهاك قاعدة "الوقت المتساوي".
التأثير المتوقع: على المستوى المحلي، قد تؤدي هذه التهديدات إلى خلق حالة من "الرقابة الذاتية" داخل غرف الأخبار الأمريكية، حيث قد تتردد الشبكات في توجيه انتقادات للسياسات العسكرية تجنباً للصدام مع الإدارة. أما على المستوى الدولي، فإن هذا التوجه يضعف من موقف الولايات المتحدة كداعم عالمي لحرية الصحافة، ويعطي مبرراً للأنظمة الاستبدادية حول العالم لتقييد وسائل إعلامها المحلية بحجة حماية "المصلحة العامة" وأمن الدولة أثناء النزاعات.


