كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية حديثة عن تفاصيل دقيقة تتعلق بمسودة اتفاق مقترحة، تتضمن شروط أمريكا لوقف الحرب على إيران وإرساء هدنة مؤقتة. وبحسب مصادر مطلعة، تم نقل وثيقة تتألف من 15 نقطة رئيسية إلى طهران عبر وسطاء دوليين، تهدف إلى تأسيس وقف لإطلاق النار لمدة شهر كامل. تأتي هذه الخطوة على غرار التفاهمات والآليات التي تم التوصل إليها مؤخراً في كل من لبنان وقطاع غزة، مما يعكس توجهاً دولياً لتهدئة الجبهات المشتعلة في الشرق الأوسط وتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
أبرز شروط أمريكا لوقف الحرب على إيران: تفكيك النووي ووقف الوكلاء
استعرضت القناة 12 الإسرائيلية البنود الأساسية التي طرحتها واشنطن، والتي تركز بشكل أساسي على تحجيم القدرات العسكرية والنووية لطهران. من أهم هذه البنود المطالبة بتفكيك القدرات النووية الحالية التي تراكمت لدى إيران على مدار السنوات الماضية، مع تقديم التزام إيراني قاطع بعدم السعي مستقبلاً لامتلاك أو تطوير أي سلاح نووي. كما نصت الوثيقة على حظر تخصيب أي مواد نووية داخل الأراضي الإيرانية، وتسليم كافة المواد المخصبة الموجودة حالياً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني صارم يتم الاتفاق عليه.
ولم تقتصر الشروط على ذلك، بل شملت مطالبات بإخراج منشآت حيوية مثل نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدمير بنيتها التحتية المخصصة للتخصيب العسكري. وتضمنت الوثيقة أيضاً ضرورة منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات وصول كاملة وغير مشروطة إلى كافة المعلومات والمواقع داخل إيران. على الصعيد الإقليمي، شددت البنود على ضرورة تخلي طهران عن استراتيجية دعم الوكلاء الإقليميين، والوقف الفوري لتمويل وتسليح الأذرع والفصائل المرتبطة بها في منطقة الشرق الأوسط.
السياق التاريخي للتوترات الأمريكية الإيرانية
تعود جذور هذه التوترات العميقة بين واشنطن وطهران إلى عقود مضت، وتحديداً منذ أزمة الرهائن في عام 1979، مروراً بانسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 خلال فترة ولاية الرئيس دونالد ترامب. منذ ذلك الحين، اعتمدت الإدارة الأمريكية سياسة الضغوط القصوى التي أدت إلى فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. في المقابل، ردت إيران بتقليص التزاماتها النووية وزيادة نسب التخصيب، مما جعل المنطقة تعيش على صفيح ساخن، خاصة مع تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة في دول الجوار وتأثير ذلك على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
التداعيات الاستراتيجية للاتفاق المحتمل على المنطقة والعالم
يحمل هذا الحراك الدبلوماسي أهمية كبرى تتجاوز الحدود الإيرانية والأمريكية. فعلى الصعيد المحلي، يعاني الاقتصاد الإيراني من أزمات خانقة بسبب العقوبات، وأي انفراجة قد تنعكس إيجاباً على الداخل الإيراني. إقليمياً، سيؤدي تحجيم دور الفصائل المسلحة إلى إعادة رسم موازين القوى في دول مثل العراق، سوريا، لبنان، واليمن، مما قد يمهد لاستقرار نسبي طال انتظاره. أما دولياً، فإن ضمان أمن الممرات المائية، وخاصة مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط، يمثل مصلحة حيوية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي ككل.
ضمانات الملاحة البحرية والقيود الصاروخية
تطرقت الوثيقة الأمريكية بوضوح إلى أمن الملاحة، حيث اشترطت إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً بشكل دائم باعتباره ممراً مائياً دولياً ومنطقة بحرية حرة لا يجوز إغلاقها أو تهديد السفن المارة بها. وفيما يخص الترسانة الصاروخية الإيرانية، التي طالما أثارت قلق الغرب وإسرائيل، أوضحت الوثيقة أن ملف الصواريخ الباليستية سيخضع لقرارات ومفاوضات لاحقة، مع التأكيد على فرض قيود صارمة على أعداد الصواريخ ومداها، وحصر استخدامها المستقبلي في أغراض الدفاع عن النفس فقط.
المكاسب المتوقعة لطهران والموقف الدولي
في مقابل هذه التنازلات الجوهرية، تقدم الوثيقة حزمة من المكاسب المغرية لطهران. أبرز هذه المكاسب يتمثل في الرفع الشامل لجميع العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها، مما سيسمح لإيران بالعودة إلى النظام المالي العالمي وتصدير نفطها بحرية. كما يتضمن العرض تقديم مساعدات تقنية لتطوير مشروع نووي مدني سلمي في محطة بوشهر مخصص لإنتاج الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى إلغاء التهديد المستمر بتفعيل آلية سناب باك لإعادة فرض العقوبات الأممية.
تتزامن هذه التسريبات مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشار إلى أن موقف بلاده التفاوضي بات قوياً، ملمحاً إلى تغييرات في نهج القيادة الإيرانية الحالية مقارنة بسابقاتها. وفي الوقت الذي تنتظر فيه الأطراف الرد الإيراني لاحتمالية عقد جلسة مفاوضات قريبة، يسود تشكيك واسع في الأوساط الإسرائيلية؛ حيث استبعد مسؤولون رفيعو المستوى، وفقاً لصحيفة يديعوت أحرونوت، التوصل إلى اتفاق سريع، معتبرين أن القيادة الإيرانية لن تتجه بسهولة نحو وقف إطلاق النار. من جهة أخرى، دخلت فرنسا على خط التهدئة، حيث أجرى الرئيس إيمانويل ماكرون اتصالاً بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان، محذراً إياه من مغبة التصعيد، ومطالباً بالانخراط بحسن نية في المفاوضات لحماية البنى التحتية للطاقة وضمان حرية الملاحة، وتلبية تطلعات المجتمع الدولي بشأن البرنامجين النووي والباليستي.


