في تصريحات نارية أثارت موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية، وجه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث اتهامات غير مسبوقة للإدارة الأمريكية السابقة. حيث وصف ما حدث بأنه «خيانة صادمة»، مشيراً إلى دور إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما المباشر في تمويل ترسانة إيران العسكرية. وتأتي هذه التصريحات لتسلط الضوء مجدداً على التداعيات طويلة الأمد للسياسات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط، وكيف انعكست على توازن القوى الحالي.
جذور الأزمة: الاتفاق النووي وتدفق السيولة النقدية
لفهم السياق العام لهذه التصريحات، يجب العودة إلى عام 2015 عندما أبرمت مجموعة (5+1) بقيادة الولايات المتحدة في عهد أوباما خطة العمل الشاملة المشتركة، والمعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي الإيراني. بموجب هذا الاتفاق، تم رفع حزمة من العقوبات الاقتصادية القاسية عن طهران، مما أتاح لها الوصول إلى مليارات الدولارات من الأصول المجمدة. والأكثر إثارة للجدل حينها كان إرسال طائرات محملة بمئات الملايين من الدولارات نقداً إلى طهران. وقد حذر العديد من المراقبين في ذلك الوقت من أن هذه الأموال لن تذهب لتحسين الاقتصاد الإيراني الداخلي، بل ستُستخدم في تعزيز النفوذ العسكري، وهو ما تؤكده التصريحات الأمريكية الحالية.
تحويل الأموال إلى أسلحة: حقيقة تمويل ترسانة إيران
أكد هيغسيث في معرض حديثه أن العديد من المصانع والقواعد العسكرية الإيرانية التي يتم استهدافها في الوقت الراهن، تم بناؤها وتطويرها بفضل تلك الأموال. وأوضح قائلاً إن هذه القواعد التي تعمل القوات الأمريكية أو حلفاؤها على تدميرها اليوم، دُفعت تكلفتها من أموال نقدية أمريكية نُقلت إلى إيران خلال فترة الاتفاق. ووصف المسؤول الأمريكي هذه المعطيات بأنها «حقيقة غير مريحة»، مشدداً على أن طهران استغلت تلك الأموال بذكاء لتحويلها إلى أسلحة متطورة، وملاجئ محصنة، وذخيرة، مما يمثل خطأً استراتيجياً فادحاً من قبل الإدارة السابقة التي ساهمت بشكل غير مباشر في تمويل ترسانة إيران.
التداعيات الإقليمية والدولية للقدرات العسكرية الإيرانية
إن أهمية هذا الحدث لا تقتصر على الداخل الأمريكي، بل تمتد لتشمل المشهد الإقليمي والدولي بأسره. فقد أدى تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط. حيث استخدمت طهران هذه الموارد المالية لدعم شبكة واسعة من الوكلاء والفصائل المسلحة في دول مثل لبنان، سوريا، العراق، واليمن. هذا التمدد العسكري خلق حالة من عدم الاستقرار الدائم، وهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وزاد من التوترات مع دول الجوار وحلفاء واشنطن الاستراتيجيين. وبالتالي، فإن الأموال التي أُفرج عنها لم تكن مجرد أرقام في حسابات بنكية، بل تحولت إلى صواريخ باليستية وطائرات مسيرة تهدد الأمن والسلم الدوليين.
تصحيح المسار الاستراتيجي وإعادة التوازن
في ختام تصريحاته، وجه هيغسيث رسالة واضحة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الجارية حالياً تهدف بالأساس إلى «تصحيح ذلك الخطأ الجسيم». وأكد أن الإدارة الحالية تأخذ على عاتقها مهمة تدمير البنية التحتية العسكرية التي بُنيت خلال تلك المرحلة، وإعادة التوازن إلى المنطقة بعد سنوات من استغلال طهران لتلك الأموال. يعكس هذا التوجه تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية والسياسية الأمريكية تجاه طهران، حيث تنتقل واشنطن من سياسة الاحتواء الدبلوماسي التي ميزت حقبة أوباما، إلى سياسة الردع النشط وتفكيك القدرات الهجومية الإيرانية بالقوة.


