طرح الباحث المتخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية، بسام الجيال، خارطة طريق عملية لإعادة بناء السردية التاريخية السعودية، متخذًا من ميناء العقير حالة دراسية وتطبيقية لاستعادة الذاكرة الوطنية المتفرقة داخل المملكة وخارجها.
ميناء العقير كنموذج تطبيقي
وأوضح الجيال أن إعادة بناء التاريخ الكامل لميناء العقير لا تقتصر على كونه مجموعة مبانٍ تاريخية قائمة على ساحل الأحساء أو ارتباطه بمؤتمر العقير عام 1922، بل باعتباره مركزًا حيويًا لحركة البشر والقوافل والتجارة التي ربطت الأحساء ونجد بالخليج والعالم قبل مرحلة النفط.
دوائر الذاكرة ومصادرها المتفرقة
وبين الباحث أن ذاكرة الميناء تتوزع على خمس دوائر أساسية تتطلب البحث والتوثيق:
- الداخل السعودي: ويشمل الوثائق الرسمية، الخرائط، الصور، الصحف، والسجلات الموجودة لدى المؤسسات والأفراد.
- مجتمع الأحساء: من خلال العائلات التي تحتفظ بآثار ورسائل وصور تربط أجدادهم بالميناء.
- المحيط الخليجي: لفهم حركة التجارة والملاحة التي ربطت العقير بالموانئ المجاورة.
- الامتداد الإقليمي: ويشمل العراق والهند اللذين ارتبطا بشبكات التجارة الخليجية.
- الأرشيفات الأجنبية: وفي مقدمتها الوثائق البريطانية والعثمانية المتعلقة بالمنطقة.
الأبعاد الاقتصادية والسياسية للميناء
وأشار الجيال إلى أن تقرير بعثة نجد (1917-1918) كشف عن رؤية الملك عبدالعزيز لموانئ الأحساء كمنفذ طبيعي لتجارة نجد منذ استرداد الأحساء عام 1913. ورغم تعطل خطط تطوير الميناء بسبب الحرب العالمية الأولى وتقييد حركة السفن، مما أبقى نجد معتمدة على الكويت والبحرين في وارداتها، فإن الميناء ظل يمثل مشروعًا أوسع لربط الداخل بالخليج.
التاريخ الشفهي والمجتمعي
ودعا الباحث إلى تفعيل التاريخ الشفهي كخطوة عاجلة لإنقاذ الذاكرة البشرية قبل زوالها، من خلال دعوة أسر الأحساء لمشاركة وتصوير وثائقهم ورسائلهم ورقممتها دون نقل ملكيتها، والجلوس مع كبار السن لتدوين الروايات الشفهية حول طبيعة الحياة اليومية وحركة البضائع في الميناء.
إعادة الذاكرة إلى مكانها
واختتم الجيال بالتأكيد على أن الهدف النهائي للمشروع هو إعادة هذه الذاكرة إلى ميناء العقير نفسه، بحيث يرى الزائر في مبنى الجمارك صورته قبل قرن، ويطلع على مسارات السفن والخرائط والوثائق السعودية والبريطانية، ويستمع إلى الروايات المحلية، ليتحول الموقع إلى مختبر حي يروي تاريخ المملكة قبل النفط.


