أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع قراراً يقضي بإجراء تحقيق أممي في أحداث الأبيض بولاية شمال كردفان، وذلك في ظل تصاعد أعمال العنف والانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع. ويأتي هذا التحرك العاجل استجابةً لتقارير ميدانية مقلقة تشير إلى تدهور الوضع الإنساني والأمني في المدينة التي باتت تواجه خطراً محدقاً يهدد مئات الآلاف من المدنيين والنازحين الذين لجأوا إليها هرباً من ويلات الحرب المستعرة في البلاد.
الجذور التاريخية للصراع والأهمية الاستراتيجية لمدينة الأبيض
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، شهدت البلاد أزمة إنسانية وصفت بأنها الأكبر عالمياً من حيث عدد النازحين. وتعتبر مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مركزاً جغرافياً واقتصادياً حيوياً يربط العاصمة الخرطوم بإقليمي دارفور وكردفان. تكمن أهمية المدينة الاستراتيجية في كونها نقطة تلاقي رئيسية لخطوط الإمداد والتجارة، فضلاً عن احتوائها على مطار حيوي ومرافق طبية وخدمية تخدم ملايين السكان في غرب السودان. إن الحصار المستمر الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة، رغم نجاح الجيش في كسر الحصار جزئياً في فبراير الماضي، يهدد بقطع شريان الحياة عن إقليم كامل، مما يجعل أي تحقيق أممي في أحداث الأبيض خطوة ضرورية لتوثيق هذه المعاناة وتحديد المسؤولين عنها أمام العدالة الدولية.
تفاصيل القرار الدولي والتحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة
جاء القرار الأممي بإجماع أعضاء مجلس حقوق الإنسان الـ47، إثر جلسة خاصة عُقدت بطلب من المملكة المتحدة وبدعم من 14 دولة أخرى. وكلف المجلس البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان ببدء التحقيق فوراً في الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع، والتي تشمل استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف البنية التحتية، وتنفيذ إعدامات ميدانية، وحالات اختطاف وتعذيب، فضلاً عن استخدام العنف الجنسي كأداة حرب. وقد وصفت سفيرة بريطانيا لدى المجلس، إليانور ساندرز، هذه الممارسات بالفظائع التي يجب ألا تتكرر، بينما أطلق سفير جنوب إفريقيا، زهير لاهر، “إنذاراً أحمر” محذراً من تكرار سيناريو الفاشر في الأبيض، في حين حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من كارثة إنسانية وشيكة تهدد حياة نصف مليون مواطن يقطنون المدينة.
الأبعاد الإقليمية والدولية لقرار التحقيق الأممي في أحداث الأبيض
يحمل هذا القرار تداعيات بالغة الأهمية على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى المحلي والإقليمي، يضع القرار ضغوطاً سياسية وقانونية هائلة على أطراف النزاع، ويوجه رسالة واضحة بأن الانتهاكات ضد المدنيين لن تمر دون محاسبة دولية، مما قد يسهم في ردع المزيد من التجاوزات. أما على المستوى الدولي، فإن الإجماع حول القرار يعكس قلق المجتمع الدولي المتزايد من تمدد الصراع السوداني وتحوله إلى كارثة إقليمية شاملة قد تؤدي إلى موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة نحو دول الجوار وأوروبا. ورغم التحفظ الصيني الذي أبدى معارضته لفتح تحقيقات تستهدف دولاً بعينها دون موافقتها، ونفي قوات الدعم السريع للاتهامات ووصفها بأنها “مختلقة”، فإن إطلاق تحقيق أممي في أحداث الأبيض يمثل أداة ضغط دبلوماسية قوية قد تسهم في دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات لحماية ما تبقى من البنية التحتية وحياة المدنيين الأبرياء.


