أعلنت أوكرانيا رسمياً عن استعدادها الكامل لنقل خبرتها القتالية الميدانية الفريدة في مواجهة المسيرات الإيرانية إلى شركائها وحلفائها الغربيين. يأتي هذا العرض الاستراتيجي بعد سنوات من التصدي اليومي للهجمات الروسية المكثفة التي تعتمد بشكل أساسي على طائرات «شاهد» المفخخة، وفي وقت تسعى فيه الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) لتعزيز منظوماتهم الدفاعية ضد تهديدات الحروب غير المتكافئة التي باتت تشكل خطراً متزايداً على الأمن العالمي.
تطور مشهد الحرب الجوية منذ خريف 2022
تعود جذور هذه المواجهة إلى خريف عام 2022، حينما بدأت القوات الروسية تغييراً تكتيكياً في مسار الحرب عبر الاستخدام المكثف لطائرات «شاهد-136» و«شاهد-131». استهدفت هذه الهجمات بشكل مباشر البنية التحتية للطاقة والمدن الأوكرانية، مما حول السماء الأوكرانية إلى حقل تجارب حي لأحدث تقنيات الهجوم والدفاع الجوي. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في نوعية السلاح، بل كان بداية لحقبة جديدة من الحروب تعتمد على استنزاف الخصم عبر أسلحة منخفضة التكلفة قادرة على إحداث أضرار استراتيجية هائلة، مما وضع كييف أمام تحدٍ وجودي لتطوير آليات دفاعية فعالة وسريعة.
تكتيكات مبتكرة لإسقاط المسيرات الإيرانية
اضطرت القيادة العسكرية في كييف لتطوير استراتيجيات مبتكرة وغير تقليدية للتعامل مع هذه التهديدات، متجاوزة الاعتماد الكلي على الصواريخ الاعتراضية الغربية باهظة الثمن. ولجأت القوات الأوكرانية إلى تشكيل «مجموعات نارية متنقلة» واستخدام المدافع الرشاشة المضادة للطائرات مثل «جيبارد» الألمانية، مما منحها رصيداً ضخماً من البيانات حول نقاط ضعف وقوة المسيرات الإيرانية. وأوضح نائب رئيس الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية أن الجيش قد اكتسب معرفة دقيقة وشاملة بأنماط إطلاق هذه الطائرات، ومسارات تحليقها المنخفضة لتجنب الرادارات، وتكتيكات تغيير الاتجاه المفاجئ التي تتبعها، وهي معلومات لا تقدر بثمن بالنسبة للدول التي قد تواجه تهديدات مماثلة مستقبلاً.
الأبعاد الاستراتيجية للتعاون مع الناتو
في سياق تعزيز التعاون الدولي، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي على ضرورة تعميق التعاون الأوروبي وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة. وشدد زيلينسكي على أهمية التنسيق «متعدد الطبقات» الذي يجمع بين الصواريخ الاعتراضية التقليدية، والطائرات المقاتلة، وأنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة القادرة على التشويش على أنظمة التوجيه وإسقاط الأهداف المعادية دون استنزاف المخزون الاستراتيجي للصواريخ. يمثل هذا العرض الأوكراني فرصة ذهبية للحلفاء لتحديث عقيدتهم العسكرية بناءً على تجربة واقعية، خاصة في ظل الحاجة الملحة لإنتاج أنظمة دفاع جوي حديثة ومتخصصة تواكب التطور المستمر في تقنيات الهجوم الجوي.
تأثير التجربة الأوكرانية على الأمن الدولي
يكتسب هذا الحدث أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ فالحرب في أوكرانيا أثبتت أن الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة تفرض تحدياً اقتصادياً وعسكرياً معقداً على الجيوش النظامية الكبرى. إن نقل الخبرة الأوكرانية سيساعد الدول الحليفة على تطوير أنظمة إنذار مبكر أكثر فاعلية، وتحسين كفاءة الإنفاق العسكري عبر الموازنة الدقيقة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الاعتراض. هذا الدرس الحيوي يعيد تشكيل مفاهيم الأمن القومي للدول، حيث لم يعد التفوق الجوي يعتمد فقط على المقاتلات الحديثة، بل أيضاً على القدرة على تحييد أسراب المسيرات الانتحارية بأقل تكلفة ممكنة.


