نفت السلطات الأوكرانية بشكل قاطع الأنباء التي روجت لها موسكو حول السيطرة على مدينة كوستيانتينيفكا الاستراتيجية الواقعة في مقاطعة دونيتسك الشرقية. ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه الادعاءات بأنها “مجرد أكذوبة روسية أخرى” تهدف إلى رفع معنويات القوات الروسية وتضليل الرأي العام الدولي، مؤكداً أن المدينة لا تزال صامدة وتخضع لسيطرة القوات الأوكرانية بالكامل رغم شراسة الهجمات المستمرة.
صمود كوستيانتينيفكا والوضع الميداني الراهن
أكد المتحدث باسم الجيش الأوكراني، أندريي كوفاليوف، في تصريحات لوكالة “فرانس برس”، أن الوضع الميداني في المنطقة لا يزال معقداً وصعباً للغاية، إلا أن قوات الدفاع الأوكرانية متمسكة بمواقعها وتسيطر بشكل كامل على مدينة كوستيانتينيفكا. وأوضح كوفاليوف أن المدافعين الأوكرانيين يواصلون التصدي لمحاولات التقدم الروسي على امتداد الخطوط الدفاعية المحددة، معترفاً في الوقت ذاته بتسلل مجموعات صغيرة من الجنود الروس إلى بعض النقاط، حيث تدور معارك عنيفة لتطهيرها.
في المقابل، ادعت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها تمكنت من الانتشار في جميع أنحاء المدينة، بدءاً من الضواحي الجنوبية وصولاً إلى الشمالية. وفي خطوة لافتة، اقترحت موسكو وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لأسباب وصفتها بـ “الإنسانية” بهدف تسليم جثث الجنود الأوكرانيين، وهو ما اعتبرته كييف مناورة سياسية ومحاولة لفرض واقع ميداني غير حقيقي.
الأهمية الاستراتيجية للمدينة في الصراع الدونباسي
تعتبر مدينة كوستيانتينيفكا، التي كان يقطنها نحو 78 ألف نسمة قبل اندلاع الحرب، أحد المعاقل الحيوية والأخيرة التي تحمي العمق الأوكراني في حوض دونباس. وتكمن الأهمية الجيوسياسية للمدينة في كونها خط الدفاع الأساسي والعائق الأخير على الطريق المؤدي إلى مدينتي كراماتورسك وسلوفيانسك، وهما أكبر المراكز الصناعية والإدارية الخاضعة للسيطرة الأوكرانية في دونيتسك، والتي تسعى موسكو جاهدة للسيطرة عليها لإعلان بسط نفوذها الكامل على الإقليم.
بدأت معركة السيطرة على المدينة في أواخر عام 2025 عبر عمليات تسلل تدريجية نفذتها القوات الروسية، لتتحول سريعاً إلى المحور الأساسي للهجوم الروسي على طول جبهة القتال الممتدة لأكثر من 1000 كيلومتر. إن سقوط هذه المدينة سيعني فتح الطريق أمام القوات الروسية لتهديد معاقل أوكرانيا الاستراتيجية الكبرى، مما يغير موازين القوى الإقليمية والدولية في هذا الصراع المعقد.
تصعيد متبادل وضربات في العمق الروسي
يأتي هذا التوتر الميداني في وقت تشهد فيه الحرب فصلاً جديداً من التصعيد العابر للحدود. فقد أعلنت روسيا مؤخراً عن تصدي دفاعاتها الجوية لهجوم أوكراني واسع النطاق بالطائرات المسيّرة استهدف مدينة سان بطرسبرغ، مسقط رأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأسفر الهجوم عن إصابة ميناء نفطي حيوي بالقرب من فنلندا ومجمع بيترهوف التاريخي دون وقوع أضرار بشرية جسيمة.
وتأتي هذه الضربات الأوكرانية المركزة في العمق الروسي رداً على الهجمات الصاروخية العنيفة التي شنتها موسكو على العاصمة كييف ومدن أوكرانية أخرى، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 30 مدنياً. ومع إعلان موسكو إسقاط مئات المسيّرات والصواريخ الأوكرانية، يبدو أن رغبة بوتين في حسم الصراع بالقوة ورفضه للمفاوضات المباشرة مع زيلينسكي تدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد العسكري الذي يلقي بظلاله على الأمن والسلم الدوليين.


