عاد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترمب، ليتصدر المشهد السياسي العالمي بتصريحات مثيرة للجدل، ملمحاً بشكل علني إلى حقه في الترشح لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما فجر نقاشاً قانونياً ودستورياً واسعاً في الأوساط الأمريكية والدولية. جاءت هذه التصريحات خلال خطاب جماهيري حاشد ألقاه في ميناء «كوربوس كريستي» بولاية تكساس، حيث خاطب أنصاره بلهجة تحدٍ واضحة للنظام الانتخابي والأعراف الدستورية المستقرة.
ذريعة «التعويض» ومزاعم التزوير
استند ترمب في تلميحاته إلى سرديته المستمرة حول نتائج انتخابات عام 2020، معتبراً أن ما وصفه بـ «الغش الشديد» والتلاعب في النتائج يمنحه «حقاً أخلاقياً» للمطالبة بفترة رئاسية إضافية تعويضاً عما يعتبره فترة مسلوبة من حكمه. وقال وسط هتافات أنصاره المتحمسين: «ربما نتولى فترة إضافية، هل ينبغي علينا ذلك؟ لدينا الحق في ذلك لأنهم قاموا بالغش بشدة». وتأتي هذه التصريحات رغم النفي القاطع والمستمر لمزاعم التزوير من قبل عشرات المحاكم الأمريكية، ومسؤولي الانتخابات من الحزبين، ووكالة الأمن السيبراني.
العقبة الدستورية: التعديل الثاني والعشرون
من الناحية القانونية والدستورية، تصطدم رغبات ترمب بجدار صلب يتمثل في التعديل الثاني والعشرين للدستور الأمريكي. ينص هذا التعديل بوضوح لا يقبل التأويل على أنه «لا يجوز انتخاب أي شخص لمنصب الرئيس أكثر من مرتين». وهذا النص يجعل حديث ترمب عن «ولاية ثالثة» مجرد خطاب سياسي تعبوي يفتقر إلى أي مسوغ قانوني، ما لم يتم تعديل الدستور نفسه، وهو إجراء يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وتصديق ثلاثة أرباع الولايات، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الانقسام الحزبي الحالي.
السياق التاريخي: لماذا مُنعت الولاية الثالثة؟
لفهم عمق هذا الجدل، يجب العودة إلى الجذور التاريخية لهذا التعديل الدستوري. قبل عام 1951، لم يكن هناك نص صريح يمنع الرئيس من الترشح لمدد غير محدودة، إلا أن الرئيس الأول للولايات المتحدة، جورج واشنطن، أرسى عرفاً سياسياً بالاكتفاء بولايتين، وهو العرف الذي التزم به الرؤساء لقرابة قرن ونصف.
تغير هذا الوضع مع الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي فاز بأربع ولايات رئاسية متتالية (توفي في بداية الرابعة) مستفيداً من ظروف استثنائية تمثلت في الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية. خوفاً من تحول الرئاسة إلى منصب دائم يشبه الملكية، تحرك الكونغرس بعد وفاة روزفلت لإقرار التعديل الثاني والعشرين في عام 1947، وتم التصديق عليه في عام 1951، لترسيخ مبدأ تداول السلطة ومنع احتكار الحكم.
نفي إعلان الطوارئ وحسابات الانتخابات
في سياق متصل، وتطرقاً لاستراتيجيات الحزب الجمهوري الحالية، حسم ترمب الجدل حول التقارير التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، والتي أشارت إلى ضغوط مارسها بعض حلفائه لإعلان «حالة طوارئ وطنية» استناداً لمزاعم التدخل الصيني. وأكد ترمب للصحفيين في واشنطن أنه لا يعتزم اتخاذ مثل هذه الخطوة للتأثير على انتخابات التجديد النصفي، مفضلاً التركيز على الدعم السياسي التقليدي للمرشحين الجمهوريين.
التأثير السياسي والاستقطاب الحزبي
يرى المحللون السياسيون أن تلويح ترمب بالولاية الثالثة، رغم استحالته الدستورية، يهدف بالأساس إلى تعزيز نفوذه داخل الحزب الجمهوري وإبقاء قاعدته الانتخابية في حالة استنفاذ دائم. يعكس هذا الخطاب حالة الاستقطاب الحاد التي تشهدها الولايات المتحدة، حيث أصبحت التقاليد الدستورية جزءاً من الصراع السياسي اليومي، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الديمقراطية الأمريكية وقدرة المؤسسات على الصمود أمام تحديات الشعبوية السياسية.


