تعيش الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب حالة من الترقب والحذر الشديدين، حيث أثارت تصريحات ترمب قلق إسرائيل بشكل ملحوظ خلال الساعات القليلة الماضية. وفي خطوة تعكس حجم التوترات المتصاعدة، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استدعاء زعماء الائتلاف الحكومي لعقد اجتماع عاجل ومغلق. يهدف هذا التحرك المفاجئ إلى مناقشة مسار الحرب الحالية والتداعيات الخطيرة لأي اتفاق محتمل قد تبرمه الإدارة الأمريكية مع طهران، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
ووفقاً لما نقله موقع «واي نت» الإخباري الإسرائيلي، فإن المشاركين في هذا الاجتماع الطارئ لم يتم إطلاعهم مسبقاً على جدول الأعمال الدقيق. ومع ذلك، تشير التقديرات السياسية والأمنية إلى أن المحور الأساسي للنقاش يدور حول الاتصالات الأمريكية الجارية بشأن إبرام تسوية أو اتفاق مع إيران. وفي السياق ذاته، أوضحت «القناة 12» الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو تعيش حالة من التوجس إزاء إمكانية التوصل إلى ما تصفه بـ «اتفاق سيئ». وتكمن الخطورة من وجهة النظر الإسرائيلية في أن مثل هذا الاتفاق قد لا يعالج مسألة مخزون طهران المتنامي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي تجاوز حاجز الـ 400 كيلوغرام وفقاً لأحدث تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
الجذور التاريخية: لماذا تثير تصريحات ترمب قلق إسرائيل؟
لفهم أبعاد هذا القلق، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. لطالما اعتبرت إسرائيل البرنامج النووي الإيراني التهديد الوجودي الأول لها. تاريخياً، كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تضغط على المجتمع الدولي، وتحديداً الولايات المتحدة، لفرض عقوبات قاسية على طهران ومنعها من امتلاك سلاح نووي. وقد شهدت فترة رئاسة دونالد ترمب السابقة انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عام 2018، وهو قرار رحبت به إسرائيل بشدة آنذاك واعتبرته انتصاراً لدبلوماسيتها. لذلك، فإن أي تلميحات أو تصريحات ترمب حالياً حول إمكانية عقد صفقة جديدة تعيد خلط الأوراق، وتجعل صانع القرار الإسرائيلي في حالة استنفار قصوى لضمان عدم تقديم تنازلات أمريكية تضر بالأمن القومي الإسرائيلي وتسمح لطهران بالاقتراب من العتبة النووية.
وفي هذا الصدد، نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن مصدر أمني رفيع المستوى قوله إن الرؤية لا تزال ضبابية. وأضاف المصدر: «لا نعلم إن كان سيتم التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب، أم أن هذه مجرد مناورة سياسية معتادة». وشدد المصدر الأمني على نقطة جوهرية قائلاً: «لكن إن تم التوصل إلى اتفاق، ولم يتضمن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، فلن تكون أي عبارات رنانة عن الدمار وتقليص القدرات صحيحة، ستكون الحقيقة أن هذا فشل ذريع». وكان نتنياهو قد صرح بوضوح، عقب محادثاته الأخيرة، بأن أي اتفاق مع طهران يجب أن يحافظ على المصالح الحيوية والأمنية لتل أبيب.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي تقارب أمريكي إيراني محتمل
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة نظراً لتأثيرها المتوقع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً في إسرائيل، يشكل هذا الملف ضغطاً إضافياً على ائتلاف نتنياهو الذي يواجه بالفعل تحديات سياسية داخلية وحرباً مستمرة على جبهات متعددة. إقليمياً، يثير أي تقارب أمريكي إيراني مخاوف الدول المجاورة التي تخشى من تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وزيادة دعم طهران للفصائل المسلحة التابعة لها، مما قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى في المنطقة. أما على الصعيد الدولي، فإن استقرار الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الخليج العربي ومضيق هرمز، مما يجعل أي اتفاق أو تصعيد ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي والسياسات الدولية الكبرى.
وعلى الصعيد الميداني والعسكري الذي يتقاطع مع هذه التحركات السياسية، كشف مسؤولون أمريكيون لشبكة «سي بي إس نيوز» عن تطورات مقلقة في مياه الخليج. فقد أشارت تقييمات الاستخبارات الأمريكية الحالية إلى أن إيران قامت بنشر ما لا يقل عن 12 لغماً بحرياً في مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو الممر المائي الأهم عالمياً لنقل النفط. ورغم عدم صدور أي تأكيد أو نفي رسمي من طهران لهذا التقرير، أوضح المسؤولون الذين اطلعوا على التقييمات الاستخباراتية أن الألغام التي تستخدمها القوات الإيرانية حالياً في المضيق هي من طراز «مهام 3» و«مهام 7». وتتميز هذه الألغام، وهي إيرانية الصنع، بأنها ذاتية اللصق، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد والخطورة على حركة الملاحة البحرية ويزيد من احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة في حال تعثرت المسارات الدبلوماسية.


