في مقابلة تلفزيونية مثيرة حملت رسائل سياسية واقتصادية حادة، رسم الرئيس الأمريكي السابق ملامح مرحلة جديدة من التوترات العالمية. وقد تصدرت تصريحات ترمب عن إيران المشهد، إلى جانب لهجته التصعيدية تجاه الصين وانتقاداته اللاذعة لحلفاء واشنطن الأوروبيين. جاء ذلك خلال حوار شامل أجراه مع الإعلامية ماريا بارتيرومو على قناة “فوكس بيزنس” ضمن برنامج “صباحات مع ماريا”، حيث تطرق لملفات حساسة تمس الأمن القومي والاقتصاد العالمي.
تصريحات ترمب عن إيران.. تلميحات بقرب التسوية ووقف إطلاق النار
أكد دونالد ترمب أن المواجهة العسكرية مع طهران “باتت قريبة جداً من الانتهاء”، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار المؤقت الذي استمر لمدة أسبوعين قد ساهم بشكل كبير في تهدئة حدة المواجهة. وتأتي تصريحات ترمب عن إيران وسط توقعات باستئناف المفاوضات قريباً. وقال ترمب بوضوح: “أراها قريبة جداً من أن تنتهي”، مضيفاً أن المشهد الحالي يوحي وكأن الحرب أصبحت من الماضي بالفعل، مما يعكس ثقته بإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
تاريخياً، اتسمت العلاقات الأمريكية الإيرانية بتعقيدات بالغة، خاصة خلال فترة رئاسة ترمب الأولى التي شهدت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) وتطبيق استراتيجية “الضغوط القصوى”. هذه الخلفية تجعل من أي تلميح لتسوية أو تهدئة أمراً بالغ الأهمية، حيث يترقب المجتمع الدولي كيف ستنعكس هذه التوجهات على استقرار منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من صراعات متداخلة وتوترات مستمرة.
التلويح بالقوة العسكرية الساحقة: رسالة رادعة لطهران
رغم حديثه عن السلام، لم يتخلَّ ترمب عن لغة التهديد المباشر. ففي واحدة من أكثر تصريحاته إثارة، لوّح بقدرات عسكرية أمريكية “ساحقة”، مؤكداً أن الولايات المتحدة قادرة على تدمير جميع الجسور في إيران خلال ساعة واحدة فقط، وشل شبكة الطاقة بالكامل، واستهداف محطات الكهرباء والبنية التحتية بضربة واحدة. وأضاف أن هجوماً بهذا الحجم قد يعيد طهران أكثر من 10 سنوات إلى الوراء.
يحمل هذا التهديد أبعاداً إقليمية ودولية خطيرة؛ فأي تصعيد عسكري يستهدف البنية التحتية الإيرانية قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز في تجارة النفط. كما أن هذه التصريحات تمثل رسالة طمأنة لحلفاء واشنطن في المنطقة، وفي الوقت ذاته تضع خطوطاً حمراء صارمة أمام أي تحركات إيرانية مستقبلية قد تهدد المصالح الأمريكية.
المواجهة مع بكين.. استراتيجية المعاملة بالمثل في الفضاء السيبراني
وحول الهجمات السيبرانية المنسوبة للصين، تبنى ترمب خطاب “المعاملة بالمثل”، قائلاً بحزم: “هم يفعلون ذلك بنا، ونحن نفعل ذلك بهم”. ورغم تهربه من الخوض في تفاصيل الرد الأمريكي، شدد على أنه “الأكثر صرامة تجاه الصين في العالم”، معتبراً أن العلاقة مع بكين “معقدة لكنها تسير بشكل جيد”. كما أشار إلى أن علاقته الشخصية الجيدة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ساهمت في إنجاز اتفاق يتعلق بتطبيق “تيك توك”.
تأتي هذه التصريحات في سياق حرب تجارية وتكنولوجية مستمرة بين أكبر اقتصادين في العالم. وتعتبر السيطرة على الفضاء السيبراني وتقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي جوهر الصراع الجيوسياسي الحالي، مما يجعل أي تصعيد أو تفاهم بين واشنطن وبكين ذا تأثير مباشر وحيوي على سلاسل الإمداد العالمية والأسواق المالية الدولية.
الذكاء الاصطناعي والاقتصاد.. تحديات الداخل الأمريكي
على الصعيد التكنولوجي والاقتصادي، أقر ترمب بأن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تهدد الثقة في النظام المصرفي، مجيباً بـ “نعم، ربما” عند سؤاله عن هذا الخطر. لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة وجود ضوابط تنظيمية، مؤكداً أن الولايات المتحدة “تتقدم على الصين بفارق كبير في هذا المجال”.
وفي تصعيد داخلي لافت، هدد ترمب بإقالة رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في حال لم يقدم استقالته، مما يعكس استمرار الخلافات العميقة حول السياسات النقدية وأسعار الفائدة وتأثيرها على التضخم. كما توقع احتمال ارتفاع أسعار الوقود مع اقتراب الانتخابات النصفية، وهاجم بعض وسائل الإعلام واصفاً إياها بـ”الخائنة” بسبب تغطيتها للحرب مع إيران.
فتور العلاقات الأوروبية وانتقادات لإيطاليا
لم تقتصر انتقادات ترمب على الخصوم، بل امتدت لتشمل الحلفاء. وعن العلاقات مع أوروبا، كشف عن فتور واضح، وبسؤاله عما إذا كانت أمريكا تتمتع بنفس العلاقة مع إيطاليا ورئيسة وزرائها جورجيا ميلوني الآن، أجاب بشكل قاطع: “لا، لا، لا. لقد كانت سلبية”. تعكس هذه الإجابة توتراً محتملاً في العلاقات مع بعض الحلفاء الأوروبيين، وتذكر بنهج “أمريكا أولاً” الذي طالما أثار جدلاً داخل أروقة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأعاد صياغة التحالفات التقليدية للولايات المتحدة في القارة العجوز.


