شهدت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة توتراً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، حيث وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. ويتمحور جوهر هذا الخلاف حول مستقبل واستخدام قاعدة دييغو غارسيا الاستراتيجية في المحيط الهندي، خاصة بعد رفض لندن السماح لواشنطن باستخدام القاعدة لشن ضربات عسكرية محتملة ضد إيران. وقد عبر ترمب عن «خيبة أمل كبيرة» في مقابلة مع صحيفة «تليغراف»، واصفاً السياسات البريطانية الحالية تجاه الجزيرة بأنها علامة ضعف قد تهدد المصالح الغربية.
تاريخ من الهيمنة الاستراتيجية في المحيط الهندي
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي لهذه الجزيرة. تقع دييغو غارسيا ضمن أرخبيل تشاغوس، وقد قامت بريطانيا بفصل هذا الأرخبيل عن موريشيوس قبل استقلال الأخيرة عام 1968، لتشكل ما عرف بـ «إقليم المحيط الهندي البريطاني». وفي عام 1966، وقعت لندن وواشنطن اتفاقية سرية سمحت للولايات المتحدة ببناء قاعدة عسكرية ضخمة، مقابل خصم على صواريخ «بولاريس» النووية، وهو ما أدى إلى تهجير قسري لسكان الجزيرة الأصليين (التشاغوسيين) في فصل مثير للجدل من التاريخ الاستعماري.
تحولت الجزيرة منذ ذلك الحين إلى ركيزة أساسية للهيمنة العسكرية الأمريكية، حيث لعبت دوراً محورياً في العمليات الكبرى مثل «عاصفة الصحراء» وحرب أفغانستان وغزو العراق عام 2003. وتكمن قيمتها الفريدة في موقعها المعزول الذي يسمح للقاذفات الاستراتيجية مثل B-52 وB-2 بالانطلاق لضرب أهداف في آسيا والشرق الأوسط دون الحاجة لقطع مسافات هائلة أو الاعتماد على دول مضيفة مترددة، بالإضافة إلى قدرتها على استيعاب الغواصات النووية وسفن الإمداد.
دييغو غارسيا ومسار السيادة الشائك
تزايدت التعقيدات السياسية حول دييغو غارسيا بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2019، الذي أقر بأن استمرار الإدارة البريطانية للأرخبيل غير قانوني، وهو ما أيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة. استجابة لهذه الضغوط الدولية، دخلت حكومة ستارمر في مفاوضات أفضت إلى اتفاق مبدئي لنقل السيادة إلى موريشيوس، مع احتفاظ المملكة المتحدة والولايات المتحدة بحق تشغيل القاعدة لمدة 99 عاماً.
إلا أن هذا الاتفاق واجه هجوماً شرساً من ترمب، الذي اعتبره «حماقة كبرى». ويرى الجانب الأمريكي المتشدد أن مجرد نقل السيادة القانونية، حتى مع وجود عقود إيجار طويلة الأمد، يضع مستقبل القاعدة في مهب الريح، خاصة إذا تغيرت التوجهات السياسية في موريشيوس مستقبلاً.
التداعيات الجيوسياسية والمخاوف من الصين
يتجاوز القلق الأمريكي مسألة إيران ليصل إلى التنافس الدولي المحتدم مع الصين. يخشى المسؤولون في واشنطن من أن بسط موريشيوس سيادتها على الأرخبيل قد يفتح الباب الخلفي للنفوذ الصيني في المحيط الهندي. وتستند هذه المخاوف إلى العلاقات الاقتصادية المتنامية بين بورت لويس وبكين.
يحذر المراقبون من أن أي تواجد صيني، سواء كان تجارياً أو استخباراتياً، بالقرب من القاعدة قد يهدد أمن العمليات العسكرية الأمريكية ويقوض استراتيجية الردع في منطقة «الإندو-باسيفيك». وبالتالي، فإن الخلاف الحالي لا يمثل مجرد تباين في وجهات النظر بين حليفين، بل يعكس قلقاً عميقاً حول إعادة تشكيل موازين القوى العالمية في واحدة من أكثر المناطق حيوية للملاحة والتجارة الدولية.


