على خلفية تصاعد العمليات العسكرية والتوترات المستمرة ضد طهران، طالبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الكونغرس بإجراء تعديلات جذرية على الميزانية، أبرزها زيادة الإنفاق الدفاعي الأمريكي بقيمة 500 مليار دولار، ليصل الإجمالي إلى 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027. يتزامن هذا الطلب مع اقتراح بخفض الإنفاق غير الدفاعي التقديري بنسبة 10%، مما يضع المشرعين أمام تحديات سياسية واقتصادية معقدة تتطلب توافقاً نادراً بين الحزبين.
السياق التاريخي لتطور الإنفاق الدفاعي الأمريكي وأزمة إيران
لم تكن التوترات بين واشنطن وطهران وليدة اللحظة، بل تمتد لعقود من الصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. تاريخياً، شهد الإنفاق الدفاعي الأمريكي قفزات ملحوظة خلال فترات النزاع الكبرى، إلا أن الطلب الحالي يمثل سابقة تاريخية. تأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من دخول الحرب مع إيران أسبوعها الخامس، وهو تصعيد يعيد للأذهان فترات التأهب القصوى التي تلت الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي. تسعى الإدارة الأمريكية من خلال هذه الميزانية الضخمة إلى إعادة بناء مخزونات الذخيرة والإمدادات العسكرية التي استنزفت، وضمان التفوق الاستراتيجي في مواجهة التهديدات المتزايدة.
التداعيات المحلية والدولية لرفع ميزانية البنتاغون
يحمل هذا التوجه نحو عسكرة الميزانية تأثيرات عميقة تتجاوز حدود الولايات المتحدة. على الصعيد المحلي، تعكس طلبات ميزانية عام 2027 الأولويات السياسية لإدارة ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر القادم. يأمل الحزب الجمهوري في الحفاظ على أغلبيته الضئيلة في مجلسي الشيوخ والنواب عبر تبني سياسات أمنية حازمة. ولتمويل هذا الارتفاع، اقترح البيت الأبيض تقليص أو إلغاء برامج محلية بقيمة 73 مليار دولار، تشمل قطاعات المناخ، الإسكان، والتعليم، بالإضافة إلى استهداف ما يُعرف ببرامج “اليقظة” وإلغاء نحو 30 برنامجاً تابعاً لوزارة العدل تعتبرها الإدارة “مكررة” أو “مستخدمة كسلاح” ضد الشعب. في المقابل، طُلب زيادة تمويل وزارة العدل بنسبة 13% لملاحقة المجرمين العنيفين، ودعم إجراءات ضبط الحدود والترحيل الجماعي.
إقليمياً ودولياً، يبعث هذا المستوى غير المسبوق من التمويل العسكري رسالة حازمة للحلفاء والخصوم على حد سواء. فمن المتوقع أن يؤدي ضخ 1.5 تريليون دولار في شرايين البنتاغون إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، مما قد يدفع دولاً أخرى لزيادة ميزانياتها العسكرية، وبالتالي تسريع وتيرة سباق التسلح العالمي وتغيير شكل التحالفات الاستراتيجية.
تحديات التمرير التشريعي وموقف الكونغرس
وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن إقرار هذه الموازنة سيجعلها الأعلى في تاريخ الإنفاق العسكري الأمريكي الحديث، بزيادة تقارب 40% مقارنة بما أنفقته الولايات المتحدة في السنة المالية الحالية. دعا ترمب المشرعين إلى إقرار الجزء الأكبر من التمويل الدفاعي الجديد (أكثر من 1.1 تريليون دولار) ضمن عملية تمويل الحكومة السنوية، وتمرير الـ 350 مليار دولار المتبقية باستخدام آلية “المصالحة التشريعية”، وهي ذات الآلية التي استُخدمت لتمرير التخفيضات الضريبية سابقاً.
رغم إصرار ترمب على أن الحماية العسكرية يجب أن تكون أولوية وطنية تفوق برامج الرعاية الاجتماعية، إلا أن المشرعين من كلا الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) أعربوا عن قلقهم البالغ. يتركز هذا القلق ليس فقط حول حجم الاقتطاعات من الوكالات الداخلية، بل أيضاً بسبب نقص الإحاطات الاستخباراتية الكافية المقدمة للكونغرس حول تطورات الحرب الدائرة مع إيران، مما يجعل تمرير هذه الميزانية معركة سياسية حامية الوطيس تحت قبة الكابيتول.


