صعّد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب من وتيرة هجومه الحاد على نظام التصويت عبر البريد في الولايات المتحدة، مفجراً مفاجأة من العيار الثقيل عبر حسابه الرسمي على منصة “تروث سوشيال”. حيث زعم ترمب اكتشاف ما يقرب من 500 ألف بطاقة اقتراع مزيفة في ولاية ماريلاند، معتبراً أن هذا الرقم الضخم يمثل تهديداً مباشراً للديمقراطية الأمريكية. وأكد ترمب في منشوره أنه لا يمكن للولايات المتحدة كدولة عظمى أن تستمر في تحمل هذا الوضع الكارثي، داعياً إلى اتخاذ إجراءات حاسمة وفورية لوقف ما وصفه بـ “التصويت البريدي الفاسد”.
وفي سياق متصل، وجه ترمب نداءً عاجلاً إلى الكونغرس الأمريكي بضرورة الإسراع في إقرار قانون “أنقذوا أمريكا” (SAVE Act) بشكل فوري. ولم يكتفِ بذلك، بل ربط تمرير هذا القانون الحيوي بمشروعي الإسكان وقانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA) المطروحين للنقاش حالياً تحت قبة الكونغرس. كما شدد على أهمية اعتماد قوانين صارمة تلزم الناخبين بتقديم إثبات الهوية وإثبات الجنسية قبل الإدلاء بأصواتهم، مختتماً رسالته بشعاره السياسي الشهير: “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”.
السياق التاريخي لأزمة التصويت البريدي في أمريكا
لم تكن أزمة التشكيك في نزاهة الانتخابات وليدة اللحظة، بل تعود جذورها بشكل أساسي إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2020، والتي شهدت توسعاً غير مسبوق في استخدام نظام التصويت عبر البريد بسبب جائحة كورونا (كوفيد-19). منذ ذلك الحين، أصبح هذا النظام نقطة خلاف جوهرية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالجمهوريون، بقيادة ترمب، يرون أن التصويت البريدي يفتح الباب واسعاً أمام التلاعب وتمرير أي بطاقة اقتراع مزيفة، بينما يدافع الديمقراطيون عن النظام باعتباره وسيلة آمنة تضمن مشاركة أوسع للناخبين وتسهل العملية الديمقراطية للفئات الأكثر ضعفاً. هذا الانقسام العميق خلق حالة من الاستقطاب السياسي غير المسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث.
حرب مبكرة على قواعد اللعبة الانتخابية
عملياً، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في أجواء انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 قبل انطلاقها الرسمي بوقت طويل. لم تعد المواجهة السياسية تقتصر فقط على يوم الاقتراع أو الحملات الإعلانية، بل امتدت لتشمل ساحات القضاء، وصراعات الكونغرس، والأهم من ذلك، خرائط الدوائر الانتخابية. تتصاعد التحذيرات الديمقراطية من محاولات تقويض قواعد التصويت، في حين تكثف التحركات الجمهورية جهودها لإعادة رسم المشهد الانتخابي. هذا الصراع يعكس أزمة ثقة حقيقية في نزاهة التصويت، حيث تسيطر مفاهيم مثل “الانتخابات المسروقة” و”التزوير الانتخابي” على الخطاب العام.
التداعيات المتوقعة لاكتشاف أي بطاقة اقتراع مزيفة
تحمل هذه التطورات والاتهامات المستمرة بوجود تلاعب انتخابي تأثيرات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تزيد هذه الادعاءات من تآكل ثقة المواطن الأمريكي في المؤسسات الدستورية والعملية الديمقراطية، مما قد يؤدي إلى عزوف الناخبين أو تصاعد التوترات والاحتجاجات في الشارع. أما على الصعيد الدولي، فإن صورة الولايات المتحدة كنموذج للديمقراطية المستقرة تتعرض لاهتزاز كبير، مما يمنح خصوم واشنطن الاستراتيجيين مادة خصبة للتشكيك في شرعية النظام السياسي الأمريكي وانتقاد سياساته الخارجية التي طالما استندت إلى الترويج للقيم الديمقراطية.
الجمهوريون يكسبون معركة الخرائط الانتخابية
وفقاً لتقارير نشرتها مجلة “نيوزويك” الأمريكية، حقق ترمب والحزب الجمهوري مكاسب استراتيجية مهمة في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية. جاء ذلك بعد أن ألغت المحكمة العليا في ولاية فرجينيا خريطة انتخابية كان الناخبون قد أقروها سابقاً، والتي كان يُعتقد أنها تمنح الحزب الديمقراطي أفضلية واضحة في انتخابات مجلس النواب. وترى المجلة أن هذا الحكم القضائي قد سرّع من وتيرة التحولات في معركة إعادة التقسيم التي تجري في منتصف العقد، مما يمنح الجمهوريين نفوذاً إضافياً قبل أشهر من استحقاقات 2026.
ولايات جديدة على خط المواجهة
ولا تتوقف هذه التحولات الجوهرية عند حدود ولاية فرجينيا. فقد أشارت التقارير إلى أن هناك تحركات جمهورية مماثلة تجري على قدم وساق في ولايات أخرى حاسمة مثل تينيسي، ألاباما، فلوريدا، لويزيانا، وساوث كارولاينا. وفي حال صمود هذه الخرائط الجديدة أمام الطعون القضائية وفشل الديمقراطيين في تعطيلها، فإن الحزب الجمهوري قد يضمن الحصول على ما بين 6 إلى 7 مقاعد إضافية في مجلس النواب، مما يعزز من قبضته التشريعية ويغير موازين القوى في واشنطن بشكل جذري خلال السنوات القادمة.


