تسير السلطات السورية بخطى متسارعة نحو تفعيل مسار العدالة الانتقالية في سوريا، في تطور يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق. وتأتي هذه الخطوات وسط تعهدات رسمية حازمة بملاحقة المتورطين في الانتهاكات وتقديمهم إلى القضاء المختص. وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن دمشق ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة الفارين من رموز النظام السابق، مؤكداً أن الرهان على الإفلات من العقاب أو طي صفحة الجرائم بات رهاناً خاسراً. وشدد في تصريحاته على أن الجهود مستمرة لتعقب المطلوبين وضمان مثولهم أمام العدالة، في إطار محاكمات عادلة تُنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها.
السياق التاريخي لضرورة تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا
لا يمكن فهم أهمية هذه الخطوات دون النظر إلى الإرث الثقيل الذي خلفه النزاع. يعود تأسيس الإطار المؤسسي لهذا المسار إلى مايو 2025، حين أعلنت السلطات تشكيل هيئة العدالة الانتقالية برئاسة الحقوقي عبدالباسط عبداللطيف، بهدف معالجة إرث 14 عاماً من النزاع الدامي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. طوال تلك السنوات، شهدت البلاد دماراً واسعاً وانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان شملت الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتهجير القسري، مما جعل مطلب المحاسبة ركيزة أساسية لأي عملية سياسية أو اجتماعية تهدف إلى استقرار البلاد. إن تفعيل هذا المسار يمثل استجابة لمطالب ملايين السوريين الذين عانوا من ويلات الحرب وينتظرون كشف مصير المفقودين وجبر الضرر المادي والمعنوي.
الدعم الدولي والتعاون مع المؤسسات الأممية
في السياق ذاته، يكتسب هذا الحراك زخماً دولياً متزايداً. فقد اعتبرت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة، منتصف أبريل الجاري، أن المرحلة الانتقالية في سوريا أوجدت فرصاً جديدة وفريدة لتحقيق المساءلة، بما في ذلك عبر الانخراط المباشر مع المؤسسات السورية. وأكدت الآلية أنها حققت تقدماً ملموساً رغم التحديات، لا سيما بعد تنفيذ زيارات ميدانية غير مسبوقة إلى داخل سوريا، وإجراء تواصل منتظم مع الجهات الرسمية المعنية، مما يعزز من مصداقية التحقيقات ويوفر دعماً قانونياً وتقنياً لجهود المحاسبة الوطنية.
التأثير المتوقع للمحاسبة على المستويات المحلية والإقليمية
يحمل تفعيل مسار المحاسبة والإنصاف أبعاداً تتجاوز الحدود الجغرافية للبلاد. على الصعيد المحلي، يُعد هذا المسار حجر الزاوية لبناء السلم الأهلي وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، مما يمهد الطريق لعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم بأمان وكرامة. أما إقليمياً ودولياً، فإن نجاح هذه التجربة يبعث برسالة قوية مفادها أن الإفلات من العقاب لم يعد خياراً متاحاً، مما يعزز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ويخفف من أعباء أزمات اللجوء التي أثرت على دول الجوار والمجتمع الدولي. كما أن التعاون مع المجتمع الدولي في هذا الملف يعيد دمج دمشق في المنظومة الدولية وفق أسس تحترم القانون الدولي الإنساني.
رؤية القيادة الجديدة لمستقبل البلاد
وقد عزز الرئيس السوري أحمد الشرع هذا التوجه، متعهداً في الذكرى الأولى لسقوط النظام السابق، بإطلاق مرحلة جديدة قائمة على العدالة والعيش المشترك. وترافق هذا التعهد مع التزام صريح بمحاسبة جميع المتورطين في الجرائم السابقة، مما يؤكد أن القيادة الحالية تضع سيادة القانون فوق كل اعتبار، وتعتبر أن طي صفحة الماضي لا يمكن أن يتم عبر النسيان، بل عبر إحقاق الحق وضمان عدم تكرار المآسي التي عصفت بالبلاد لعقد ونصف من الزمن.


