أبعاد تصاعد تمرد تيجراي في المشهد الإثيوبي
تتجه الأوضاع السياسية والأمنية في شمال إثيوبيا نحو منزلق شديد الخطورة، حيث يعود شبح الحرب ليخيم على المنطقة بعد إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي عزمها استعادة السيطرة الكاملة على مؤسسات الحكم في الإقليم. تمثل هذه الخطوة تصعيداً مباشراً يغذي تمرد تيجراي من جديد، ويضع اتفاق بريتوريا للسلام، الذي أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الأفريقية خلال العقد الأخير، أمام اختبار وجودي حقيقي. هذا التطور لا يعكس مجرد خلاف سياسي عابر، بل يكشف عن تصدع عميق في مسار السلام الهش، وسط تبادل حاد للاتهامات بين الجبهة والحكومة الاتحادية في أديس أبابا، وتحذيرات متزايدة من انزلاق سريع نحو مواجهة عسكرية شاملة في منطقة لم تتعافَ بعد من جراح الصراع السابق.
الجذور التاريخية للصراع ومسار اتفاق بريتوريا
لفهم السياق العام لهذا التصعيد، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للأزمة. اندلع الصراع المسلح في نوفمبر 2020 عندما شنت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية هجوماً عسكرياً واسعاً ضد قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، إثر اتهامات للجبهة بمهاجمة قواعد عسكرية فيدرالية. جاء ذلك بعد توترات سياسية متراكمة منذ عام 2018، عندما فقدت الجبهة هيمنتها التاريخية على الائتلاف الحاكم في إثيوبيا. استمرت الحرب الطاحنة لعامين، مخلفة مئات الآلاف من الضحايا وأزمة إنسانية غير مسبوقة، قبل أن يتدخل الاتحاد الأفريقي لرعاية اتفاق بريتوريا للسلام في أواخر عام 2022. ورغم أن الاتفاق نجح في إسكات البنادق مؤقتاً، إلا أن تنفيذه واجه عقبات جوهرية، أبرزها التباطؤ الشديد في جهود إعادة الإعمار، والتعثر في الترتيبات السياسية، وتأخر تنظيم الانتخابات المحلية، مما أبقى الجمر تحت الرماد.
مبررات التصعيد السياسي والميداني
في خطوة غير مسبوقة منذ توقيع اتفاق السلام، بررت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي قرارها باستعادة السلطتين التنفيذية والتشريعية باتهام الحكومة الاتحادية بانتهاك بنود الاتفاق. وتركزت هذه الاتهامات حول تمديد ولاية الإدارة المؤقتة للإقليم دون توافق سياسي، بالإضافة إلى حجب الموارد المالية اللازمة لدفع رواتب الموظفين الحكوميين. يعكس هذا التحول انتقالاً خطيراً من مربع الاحتجاج السياسي إلى محاولة فرض أمر واقع جديد على الأرض، مما يعيد رسم موازين القوى. في المقابل، اعتبرت الحكومة الاتحادية، على لسان مستشار رئيس الوزراء جيتاتشو رضا، أن تحركات الجبهة تمثل رفضاً صريحاً للترتيبات التي أرساها اتفاق بريتوريا، داعية إلى تدخل دولي عاجل لتفادي صراع كارثي. وزاد من تعقيد المشهد إلغاء تسجيل الجبهة كحزب سياسي في مايو 2025، مما دفعها نحو خيارات أكثر راديكالية.
التداعيات المحلية والإقليمية لعودة التوتر
تكتسب هذه التطورات أهمية قصوى نظراً لتأثيرها المتوقع الذي يتجاوز الحدود المحلية لإثيوبيا. على الصعيد المحلي، تنذر المعطيات الميدانية، المتمثلة في الحشود العسكرية المتبادلة بين الجيش الاتحادي وقوات تيجراي منذ مطلع عام 2025، بعودة القتال الذي قد يدمر ما تبقى من بنية تحتية ويفاقم الأزمة الإنسانية. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن أي انهيار للسلام في إثيوبيا يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها. فالصراع يتشابك مع أطراف إقليمية أخرى، لا سيما إريتريا التي تتهمها الجبهة بالتنسيق مع أديس أبابا، وهو ما تنفيه الأخيرة. عودة الحرب تعني إعادة فتح ملفات الحدود المعقدة والتحالفات العسكرية، مما قد يجر دول الجوار إلى أتون الأزمة. علاوة على ذلك، فإن هذا التوتر يوجه ضربة قاصمة لجهود التنمية والاستثمار الأجنبي في إثيوبيا، التي كانت تُعد واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية عاجلة للتدخل وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض قبل فوات الأوان.


