مقدمة: تقاطع الأزمات في القرن الأفريقي
في تطور يهدد استقرار القرن الأفريقي، يتصاعد التوتر مجدداً مع إعلان “جبهة تحرير شعب تيغراي” نيتها استعادة السيطرة الكاملة على الإقليم، ما يضع اتفاق السلام الهش على المحك. ويتزامن هذا تصعيد تيغراي الداخلي مع تحرك أمريكي استراتيجي لافت تجاه إريتريا، عبر تخفيف العقوبات، في خطوة تعكس الأهمية الجيوسياسية المتزايدة لمنطقة البحر الأحمر. هذان المساران، أحدهما داخلي والآخر دولي، يتقاطعان ليكشفا عن مرحلة جديدة من التعقيدات في منطقة تعاني أصلاً من الهشاشة الأمنية والتنافس الدولي المحموم.
جذور الصراع واتفاق بريتوريا الهش
لفهم خطورة الموقف الحالي، لا بد من العودة إلى جذور الصراع الذي اندلع في نوفمبر 2020 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بقيادة آبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي هيمنت على السياسة الإثيوبية لعقود قبل وصوله إلى السلطة. الحرب التي استمرت لعامين خلّفت دماراً هائلاً وأزمة إنسانية كارثية، وانتهت بتوقيع اتفاق سلام في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر 2022. قام الاتفاق على توازنات دقيقة، تضمنت نزع سلاح قوات تيغراي مقابل استعادة الخدمات وإعادة دمج الإقليم. لكن هذا الاتفاق ظل هشاً، حيث تشكو جبهة تيغراي من عدم التزام الحكومة الفيدرالية ببنود رئيسية تتعلق بالإدارة والموارد، مما أدى إلى تآكل الثقة وفتح الباب أمام التهديدات بالعودة إلى المواجهة العسكرية.
أبعاد تصعيد تيغراي وتداعياته المحتملة
يمثل إعلان جبهة تيغراي نيتها استعادة السيطرة تحولاً نوعياً يهدد بنسف اتفاق بريتوريا من أساسه. هذه الخطوة لا تُقرأ فقط كخلاف سياسي، بل كمؤشر على انهيار الثقة بين الإقليم والحكومة الفيدرالية. التداعيات المحتملة لهذا التصعيد خطيرة للغاية؛ فعلى الصعيد المحلي، ينذر بعودة دوامة العنف والمواجهات العسكرية التي ستفاقم الأزمة الإنسانية. أما إقليمياً، فإن أي اضطراب في إثيوبيا له انعكاسات مباشرة على دول الجوار، خاصة إريتريا التي كانت طرفاً رئيسياً في الحرب إلى جانب أديس أبابا، والسودان الذي يعاني من أزماته الخاصة. عودة الصراع قد تعيد رسم التحالفات الإقليمية وتغذي حالة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي بأكمله.
البعد الدولي: واشنطن تعيد حساباتها في البحر الأحمر
في المقابل، يعكس التوجه الأمريكي نحو رفع جزئي للعقوبات عن إريتريا تحولاً في أولويات واشنطن. فبعد سنوات من الضغوط بسبب دور أسمرة في حرب تيغراي وسجلها في حقوق الإنسان، يبدو أن الإدارة الأمريكية تتجه نحو مقاربة أكثر براغماتية. هذا التحول مدفوع بالأهمية الاستراتيجية لإريتريا التي تملك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وموقعاً حيوياً قرب مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة العالمية. في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر والهجمات التي تهدد الملاحة الدولية، تسعى واشنطن لتأمين مصالحها البحرية وبناء توازنات جديدة في مواجهة نفوذ قوى دولية أخرى. هذه الخطوة، وإن كانت منفصلة ظاهرياً، لا يمكن فصلها عن سعي الولايات المتحدة لضمان الاستقرار في محيط الممرات المائية الحيوية، وهو استقرار يهدده أي انفجار داخلي في إثيوبيا.


